إلى متى سيستمر صمت السلطة في لبنان أمام واقعٍ يزداد اختلالًا يومًا بعد يوم؟ هذا الصمت لم يعد مجرد موقف سلبي، بل أصبح قبولًا ضمنيًا بـ"معادلة" هَشَّة فاشلة لم تحمِ البلاد يومًا، بل أغرقتها في أزماتٍ متشابكة: أمنية واقتصادية ودبلوماسية واجتماعية وسياسية وطائفية.
لطالما كان سلاح حزب الله هو العنوان الأبرز لـفقدان الدولة لسيادتها. فمنذ سنوات، يتحكم هذا السلاح بقرار الحرب والسلم. هذا التفرد لم يتوقف عند الحدود الأمنية، بل امتد ليسيطر على الاستحقاقات الدستورية والوطنية، من تأخير الانتخابات النيابية والرئاسية إلى تعطيل تشكيل الحكومات والتشكيلات الدبلوماسية والقضائية والإدارية وفرض القرارات التي تخدم مصالح حاملي السلاح ومن ورائهم من دول ومحاور.
لقد تجاوز الأمر كل حدود القوانين المتعارف عليها وباتت ممارسات حاملي السلاح تقوّض الاقتصاد مباشرة، مثل التهرب الجمركي باسم "المقاومة"، وحماية شبكات تجارة وتصنيع الممنوعات، وصولًا إلى زج لبنان في أتون حرب مدمرة طالت البشر والحجر والبنى التحتية، مما ساهم بشكل مباشر في تَعْمِيق الانهيار القائم.
لقد تحولت مناطق الجنوب والبقاع خاصةً ولبنان عامةً إلى سجن كبير تحت رحمة آلات مُسَيَّرة بالذكاء الاصطناعي تقتل من تشاء وتدمّر ما تشاء من دون حسيب أو رقيب. في حين يُتْحِفُنا الشيخ نعيم قاسم في إطلالاته بخطابات أشبه بخطب حكواتي أيام زمان، وهو يسرد للحضور قصص عنترة والزير وأبو زيد الهلالي، يُمْعِنُ زميله وفيق صفا في تشويه صورة الدولة وإظهارها بمظهر العاجز وسط تصفيق القطيع المُخَدَّر بالأوهام والخوف.
الرسائل الإسرائيلية للدولة اللبنانية باتت واضحة ومؤلمة: لقد أصبحت الآليات المدنية التي تُستخدم في رفع الركام أو إعادة الإعمار هدفًا بحدّ ذاتها. هذا الواقع بات خطيرًا ويستوجب أن يتحمل كل شخص مسؤولياته. فمَن وعد بأنه يحمي ويبني ساهم في الهزيمة والدمار، وبات السلاح الذي سوَّقت له الدعاية لسنوات أنه لحماية لبنان، مجرد عبء ثقيل ومبرر للاستهداف الإسرائيلي المتواصل.
إن التبعات الاقتصادية لهيمنة حزب الله على القرار السيادي عميقة ومدمرة. فـالمؤسسات المالية الدولية ترفض التعامل مع لبنان، وتتعقد التحويلات المصرفية بعد وضعه على اللوائح السوداء، مما يقضي على أي ثقة في البلد واقتصاده. ومع انهيار المصارف، يتفاقم اقتصاد "الكاش" الذي يفتح الباب واسعًا لـغسل الأموال، مما يزيد من عزلة لبنان عن الاقتصاد العالمي.
في ظل هذا الوضع الشاذ، تتراجع فرص الاستثمار خوفًا من عدم الاستقرار السياسي والأمني. تتراكم الخسائر في جميع القطاعات الاقتصادية والصناعية والزراعية والتجارية والسياحية والخدماتية في لبنان عامة والجنوب خاصة، في ظل عدم قدرة الدولة على بسط سيادتها وحماية مواطنيها وممتلكاتهم. يضاف إلى ذلك، أنَّ التمادي في تدمير هيبة الدولة وعدم احترام مؤسساتها من قبل حزب الله يخدم مشاريع إسرائيل، ويؤسس لتفتيت النسيج الوطني وشرعية الدولة.
وسط هذا الانسداد، يستمر النزف الاقتصادي وهجرة الشباب والكفاءات، وتنهار هيبة الدولة في أعين مواطنيها والعالم على حدٍّ سواء، من دون أي أفق واضح للتعافي.
لم يعد الكلام الرسمي الكثير والمدروس مجرّد تذاكي وترف سياسي، بل بات سببًا إضافيًا يسرّع الانهيار. المطلوب اليوم أفعال تُتَرْجِم الأقوال والخطابات، فالدولة التي تظهر العجز أمام فقدانها لسلطتها تفقد علة وجودها، وتتحول مؤسساتها إلى هياكل شكلية لا تملك لا القرار ولا القدرة على التنفيذ.
إنَّ المطلوب اليوم ليس مواجهة عسكرية أو قتالًا داخليًا، بل قرارٌ عقلاني يعيد الدولة إلى دورها الطبيعي عبر فَصْلٍ جَدّي للدولة عن جسم "الدويلة". يجب أن تكون الدولة هي المسؤول الوحيد عن الأرض التي تخضع لسيادتها. أما الجسم الموازي، فيجب أن يُترك له الخيار بين الاندماج الكامل تحت سقف الدولة والخضوع لقوانينها، أو البقاء خارج إطار الشرعية مع بيئته الحاضنة، وهو ما يستوجب موقفًا واضحًا من السلطة.
لا يمكن للبنان أن ينهض من أزمته، ولا يمكن لأي خطة إنقاذ اقتصادي أو مشروع إعمار أن يرى النور، من دون سيادة مؤسساتية حقيقية، وتطهير أجهزة الدولة من فساد اختراق "الدويلة".
لقد آن الأوان لأن تقول السلطة كلمتها بوضوح لا لبس فيه: لبنان لا يُبنى في ظل "الدويلة" وخطر المُسَيَّرات الإسرائيلية.
على الجميع أن يُقِرَّ ويعترف أن السلاح غير الشرعي فشل في حماية الجنوب وبات اليوم وبكل وقاحة يطالب الدولة أن تحميه، والحزب الذي ادعى أنه سيبني الجنوب دمَّر الجنوب وهجَّر أهله، واليوم يتهرب من مسؤوليته ويطالب الدولة بـإعمار ما تهدَّم. من هنا، يجب على المسؤولين في لبنان أن يدركوا أن الإعمار قبل إزالة أسباب الدمار هو عبثٌ سياسي واقتصادي. فما دام سلاح حزب الله، الخادم الميداني للمشروع الإيراني، موجودًا، فإنّ مخاطر الحروب والدمار باقية ومفتوحة. لذلك، يجب أن يكون من أولويات الدولة اليوم منع إعادة الدمار قبل التفكير في الإعمار، وبالتالي فَصْلُ جسم الدولة عن جسم الدويلة.
صحيح أنه قديمًا قيل "السكوت من ذهب"، ولكن اليوم فإن هذا "السكوت الذهبي" الذي تمارسه الدولة عن ممارسات حزب الله ليس ذهبًا ولا حكمة، بل هو في جوهره تخاذل وتخلٍّ عن الدولة نفسها وعن مسؤوليتها في حماية مواطنيها وسيادتها.
متى ستدرك السلطة أن كلفة الاستمرار في هذا الصمت أعلى بكثير من كلفة اتخاذ موقف سيادي يحفظ ما تبقى من الدولة؟ هل ننتظر أن تدمّر إسرائيل الجنوب كما فعلت في غزة؟ هل المطلوب أن نوقّع استسلامًا مُذلًا بإشراف الرئيس ترامب؟ هل تعتقدون أن إيران ومن ورائها حزب الله سيستيقظ ضميرهم فجأة ويقتنعون أن في لبنان دولة؟ فقط بربكم ماذا تنتظرون وعلى ماذا تراهنون؟