تخيّلوا، لا سمح الله، أن يصحو اللبناني صباحًا فيجد أن المنقوشة قد اختفت عن وجه الأرض اختفاءً مبينًا. لا زعتر ولا جبنة ولا "مناقيش على الصاج" ولا رائحة تخترق الأزقة فتوقظ الحنين في قلب كلّ من حاول أن يتبع حميةً يومًا ما. ستتحوّل الشوارع إلى مسرح للحيرة، والمخابز إلى مجالس عزاء، والمواطن إلى كائن تائه بين أفرانٍ مغلقة ومخابز فاغرة الأفواه.
اللبناني بلا منقوشة أشبه بعصفورٍ بلا شمس، أو بسيارةٍ بلا زمّور. سيقف أمام الفرن كمن فقد صديقه القديم، يتذكّر كم من القرارات المصيرية اتخذها وهو يقضم طرفها الحارّ، وكم من النقاشات السياسية اشتعلت فوق طبقة الزعتر والزيت. وحين يُسأل عن الفطور، سيقول بأسى: "كنّا نأكل المنقوشة يومًا، قبل أن تغيب كما غابت الكهرباء".
اللبناني لا يبدأ نهاره بالساعة، بل برائحة الصاج، فإذا غابت، ضاع توقيته الداخلي كما تضيع شبكة الإنترنت عند أوّل رشة مطر. هو لا يحتاج إلى منبّهٍ إلكترونيّ ما دامت منقوشة الزعتر تناديه من بعيد بنداءٍ أقوى من نداء أمّه له. وحين يعض على أطرافها الحارّة، يشعر أنّ العالم يمكن أن يُصلَح، وأنّ الكهرباء قد تعود 24 على 24، وأنّ السياسة قد تتعقل، ثمّ يتذكّر أين يعيش، فيبتسم ويكمل الأكل.
اللبناني كائنٌ فلسفيٌّ على معدةٍ فارغة، وساخرٌ على معدةٍ ممتلئة. ولو حُرم يومًا من فطورِه المقدّس، لربما خرج إلى الشوارع حاملًا لافتةً كتب عليها: "أعيدوا لنا المنقوشة نُعيد لكم الهدوء!". فالوطن عنده ليس شعارًا على الجدران، بل لقمةً على ورقٍ دهنيّ تشتعل فيه الحياة كما يشتعل الفتيل في قلب الصباح.
النكبة الثانية
أما إذا اختفى اللحم بعجين، فالكارثة ستكون قوميّة لا محلية. لأن هذا الطبق ليس مجرد عجينٍ فوقه لحم، بل هو رمزية الانتماء وذروة العبقرية اللبنانية في جعل البساطة عظَمة. كيف يعيش الناس بلا تلك الأقراص التي كانت تتطاير من الأفران كأقمارٍ صغيرةٍ من السعادة؟
سيتحوّل اللبناني فجأة إلى فيلسوفٍ يطرح على نفسه أسئلة وجوديّة: "مَن أنا بلا لحم بعجين؟ وما معنى الغداء؟ وهل تبقى البشرية على قيد الذوق؟".
سيجلس كبار السن في المقاهي يروون للأجيال قصصًا عن "أيام اللحم بعجين"، كما يروي المؤرّخون ملاحم الأندلس. وسيقول أحدهم بصوتٍ متهدّج: "أتذكرون يا أولاد كيف كانت تنقِّط عصير حامض على الورق؟ وكيف كنا نطويها بحنانٍ كأنها رسالة حبّ؟".
الكارثة الأعظم
تخيّلوا معي أن تأتي المصيبة الكبرى ألا وهي اختفاء القهوة. لن يكون هناك سياسة بعد اليوم، ولا اقتصاد، ولا أيّ حوار وطني... لأن كلّ شيء في لبنان يبدأ بفنجان قهوة، حتى المشاكل!
الصباح؟ مجرّد ضوء باهت بلا رائحة، وكأن الشمس نفسها تقول: "آه، بلا قهوة اليوم؟ خلّيكن على راحتكم".
الجلسات ستتحوّل إلى مسرحيات كوميدية بلا ممثلين، الناس يتحدّثون بلا هدف، والنكات ستصبح كالهواء، لا أحد يضحك.
اللبناني الذي كان يقول لصديقه: "تعا نشرب قهوة ونحكي"، هل سيقول فجأة: "تعال نبحث عن القهوة في جردة القمامة؟". كانت القهوة الوسيط بين القلوب، كانت تُشعل الصداقة مثل جمر الركوة. والآن؟ كلّ شخص سيكتشف فجأة أنّ قلبه جاف كأوراق الشاي الفارغة.
حتى الاقتصاد النفسي للأمة اللبنانية سينهار، وسيُحصي الناس خسائرهم: "كم فنجان خسرنا؟"، و "كم صباح ضاع بلا كافيين؟".
ستصبح المقاهي متاحف للحنين، أما الشاي فسيحاول أن يضحكنا لكنه مجرّد سائل بلا قصة. والماء؟ صار منافسًا ضعيفًا، بلا طعم ولا شخصية.
وبينما يحاول الجميع الهروب إلى العصائر، سيكتشفون أن لا شيء يشبه رائحة البن الساخن، وأنّ الحياة من دون القهوة كوميديا سوداء طولها أبدية كاملة، الاقتصاد النفسي سيعاني انهيارًا لا عودة منه.
عندما تتبخر التبّولة
ويا للويل إن اختفت التبولة يومًا! عندها ستفقد المآدب اللبنانية هويّتها، وسيتحوّل كل عيدٍ إلى مأتم نكهة. ستبكي النساء البقدونس المفروم، وتغيب رائحة النعناع كما يغيب العطر عن الحنين. كيف سيُلتقط "الصحن الجميل" للـ "إنستغرام" إذا غابت التبّولة عن الصورة؟ إنها ليست سَلَطة، بل طقس وطنيّ يجمع العائلة على نكهةٍ واحدة، حتى لو اختلفوا على كل شيءٍ آخر.
سيحاول بعضهم اختراع بدائل كـ "سلطة الأعشاب الدولية" أو "الكينوا الشرقية"، لكن الشعب سيهتف مُتحِدًا: "لا تبّولة إلا تبّولتنا!".
الأزمة المرورية الوجودية
لكنّ المأساة لن تكتمل إلا حين تختفي السيارات الضخمة من طرقات لبنان. تخيّلوا شارعًا بلا "SUV" تلمع كمرآة في الظهيرة، ولا محركٍ يزمجر ليعلن حضور صاحبه قبل أن يخرج من المبنى. كيف سيُعبّر المواطن عن ذاته؟ كيف سيقول: "أنا موجود" بلا عادمٍ يصرخ وبوقٍ يجلجل؟
قد يضطرّ اللبناني إلى ركوب سيارة صغيرة، فيشعر وكأنه يمشي على قدميه. سيتبادل اللبنانيون نظرات الحزن في المواقف، ويتذكّرون أيام العز حين كانت السيارات تشبه سفنًا في بحر الزحمة، تلتهم الأرصفة وتخيف المارة. وحين يسألهم أحد: "لماذا لا تستخدمون النقل العام؟"، سيجيبون بدهشة: "وهل يوجد نقل عام؟!".
اللبنانيون بلا البحر
أما لو اختفى البحر اللبناني، فسنشهد انهيارًا معنويًا لم تعرفه الحضارة من قبل. أين سيذهب العشاق لالتقاط الصور عند الغروب؟ وأين سيقف الفلاسفة الحالمون يتأمّلون الموج ويتحدّثون عن الحياة كأنهم يكتشفونها للتوّ؟ سيضطر الناس إلى الاكتفاء بالجبال، لكنها بكل رونقها وكبريائها لا تعوّض عن البحر الذي يشهد على أحلام اللبنانيين الصغيرة والكبيرة.
ولن يعود أحد يقول: "رايح عالبحر" أو "نازل عالكورنيش". وستُغلق المقاهي الشاطئية كما تُغلق قلوب الشعراء حين يهاجر البحر عنهم.
نهاية العالم الاجتماعية
أما إذا اختفت المطاعم والمقاهي، فستدخل البلاد في عصرٍ من الصمت لم تعرفه قط. لأنّ اللبناني لا يعيش في منزله إلا موقتًا، أمّا حياته الحقيقية فتُمارس في مقهى يطلّ على شارعٍ مزدحم أو في مطعمٍ تُضاء شرفاته كحفلةٍ لا نهاية لها. بدون هذه المساحات، ستضيع المناسبات، وستصبح اللقاءات افتراضيةً بلا نكهة.
اللبناني الذي كان يجلس في المقهى من الفجر إلى منتصف الليل، سيجد نفسه مجبرًا على الجلوس في البيت وجهًا لوجه مع نفسه. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في بلادٍ تحبّ الهروب من ذاتها.
اللبناني والابتكار في الكارثة
غير أنّ اللبناني، كما نعرفه، لا يرضخ بسهولة. فلو اختفت المنقوشة، سيبتكر "المنقوشة الرقمية" التي تُشتمّ رائحتها عبر الهاتف. ولو غابت القهوة، سيخترع مشروبًا من حبوب الصنوبر ويُقسم أنّ طعمه "بيشبه القهوة بس أرقى شويّ". ولو اختفت السيارات الضخمة، سيضع مكبّرات صوتٍ على درّاجته الهوائية لتُصدر هدير محركٍ خرافيّ.
اللبناني في النهاية مبدع في الأزمات، يحوّل النقص إلى نكتة، والمأساة إلى منشورٍ على مواقع التواصل، ثم يضحك عليها حتى يصدّق أنه بخير.
إنّ تعلّق اللبنانيين بأشيائهم الصغيرة ليس ترفًا بل فلسفة حياة... فكلّ منقوشة هي وطنٌ مصغر، وكلّ فنجان قهوة هو جمهوريّة مصالحة موقتة بين الأمل والواقع. وحين نتصوّر اختفاء هذه الرموز، فإننا لا نسخر من شغفهم، بل نلمّح إلى تلك الرهافة التي تجعلهم يعيشون الوطن في تفاصيله اليومية، ولو كان هذا الوطن منقوشةً على صاجٍ أو فنجانًا على رصيف.
قد يختفي اللحم بعجين يومًا، وقد تغيب التبولة عن الموائد، وقد تُطفأ أضواء المقاهي وتخفت زمجرة السيارات، لكن سيبقى اللبناني، بذكائه الساخر وعناده الجميل، يبحث عن طريقةٍ جديدة ليقول: "أنا هنا وما زلت أعيش الحياة كما لو أنها وليمةٌ لا تنتهي".