يُشكّل فيلم "Roofman" للمُخرج الأميركي Derek Cianfrance امتدادًا لتجربته المعروفة بتركيزها على الأفراد المُنكسرين الذين يعيشون على الحافة... تلك المنطقة الرّمادية بين الذنب والفداء، بين الحلم الأميركي والخراب النفسي. بعد أعماله السّابقة مثل "Blue Valentine" سنة 2010، و "The Place Beyond the Pines" عام 2012، يعود Cianfrance بفيلمٍ يبدو للوهلةِ الأولى أبسطَ في الحبكة وأكثر انفتاحًا على الجمهور العام. لكن الفيلم يخفي خلف خِفته الكوميديّة الظاهريّة، بُنية رمزية مُعقدة تطرح سؤال الهويّة، المكان، والاختباء داخل الذات كما داخل المباني.
يستند الفيلم إلى قصةٍ حقيقيّةٍ عن "Jeffrey Manchester"، جنديّ احتياطيّ سابق في الجيش الأميركي اشتُهر بلقب "Roofman" بسبب طريقته الغريبة في السّرقة. إذ كان يتسلّل إلى مطاعم "ماكدونالدز" عبر الأسقف. لكن Cianfrance في اقتباسه، لا يصنع فيلم جريمة تقليديًّا، بل يستخدم الحكاية كإطارٍ درامي لتفكيك مفاهيم أعمق، كالخلاص الذاتي، إزدواج الهويّة ووهم الأمان، في فضاءٍ استهلاكي هش.
دراما الهروب
يتعامل "Roofman" مع المكان بوصفه شخصيّة ثانية. السّقف، المتجر والمنازل الضيّقة ليست مُجرَّد مواقع تصوير، بل هي رموز لدرجات مختلفة من العزلة والانفصال عن العالم. فاختباء البطل (الذي يجسّده Channing Tatum) داخل متجر ألعاب للأطفال هو تمثيلٌ بصريّ لحالة انقطاع عن الواقع، إذ يعيش في فضاءٍ يُنتج البهجة والبراءة، بينما يُطارد داخله شعور بالذنب والتقويض. هذه المُفارقة المكانيّة الوجوديّة بين السّطح (العلو المادي) والقاع (الهروب النفسي) هي المُحور الذي يبني عليه Cianfrance سرديّته.
يُذكّرنا هذا البناء المكاني بما فعله المُخرج David Fincher عام 2002 في فيلم "Panic Room"، حيث يُصبح المكان المغلق مختبرًا للنفس البشريّة. غير أن Cianfrance يستخدم العزلة لا كأداة إثارة، بل كمنظور وجودي. السّقف ليس موقعًا للهروب من الشرطة، بل من الذات ذاتها. هذه المعالَجة البصريّة للمكان تحيل إلى مقاربة انتثروبولوجية للسّينما، إذ تجعل الفضاء الخارجي انعكاسًا للوعي الداخلي لا مُجرَّد خلفيّة للأحداث.
يتقاطع "Roofman" مع "The Place Beyond the Pines" في البُنية النفسيّة للبطل الذكريّ. هو رجل مُضطرب، يسعى إلى استعادة معنى الرّجولة بعد فقدانه السّياق الاجتماعي. "Jeffrey" الجُندي السّابق، يعيش أزمة ما بعد الانخراط المؤسّساتي، وهي ظاهرة تتكرّر في السّينما الأميركيّة المُعاصرة. عودة المحارب إلى مجتمع مدني لا يجد فيه وظيفة أو معنى. لذا يُصبح الفعل الإجرامي بالنسبة له، نوعًا من المقاومة العكسيّة ووسيلةً لاستعادة سلطة رمزيّة فقدها. أمّا في "Blue Valentine"، فمَثل الحب بالنسبة للبطلَين تعويضًا عن انهيار القيم، بينما في "Roofman" يُمثل الهروب هذا التعويض. كلاهما مُحاولة لبناء هويّة في فراغ قِيَمي، وكلاهما محكوم بالفشل.
ويلجأ Cianfrance هذه المرّة إلى التركيز على الدّوافع أكثر من النتائج، من دون الغوص الكافي في تلك الدوافع، فالشخصيّة تُعرض من الخارج أكثر ممّا تُفكَّك من الداخل. بخلاف ما فعله مثلًا المُخرج العريق Martin Scorsese عام 1976 في فيلم "Taxi Driver" حيث يُعرّي الجنون كصوتٍ اجتماعيٍ مأزوم... يبقى "Tatum" في "Roofman" ضحيّة ظرفيّة أكثر من كونه تعبيرًا عن مأزقٍ ثقافيٍ أوسع! وهنا تتراجع حدّة النقد الاجتماعي لصالح التعاطف الإنساني!
جماليّات الضوء والألوان
يميل Cianfrance في هذا الفيلم إلى لغة بصريّة أكثر إشراقًا وأقل كآبة من المعتاد، وهو انتقال واعٍ من الظلمة الواقعيّة في أفلامه السّابقة إلى ضوءٍ رمزي يعكس رغبة البطل في الخلاص. تُستخدم الكاميرا المحمولة بحذرٍ لتقريب الإحساس بالحركة والتوتر، في حين تخلق العدسات الواسعة شعورًا بالتناقض بين سعة الفضاء وضيق النفس. اللون هنا ليس مجرَّد عنصر تجميلي، بل لغة سرديّة موازية. الألوان الدافئة التي تسود المتجر – الأصفر والأحمر والأزرق الفاتح – تذكّر بعوالم الطفولة، لكنها تُوظف لتوليد مفارقة مع الحالة الداخليّة للبطل التي يغمرها الظلال والرّماد. في المشاهد التي تجمعه بـالمُمثلة Kirsten Dunst، تُهَيمن درجات الأرجواني والأزرق البارد، كأنها ترسم حدودًا بين دفء التواصل ووهم الاستقرار.
يستخدم المخرج Cianfrance الضوء كما استخدم المُخرج Damien Chazelle الموسيقى في "La La Land" عام 2016، كوسيطٍ بين الواقع والوهم. غير أنّ الأخير اختار الهروب إلى الحلم، بينما يختار الأول الهروب إلى الخفاء.
استعارة وجوديّة
يتميّز الفيلم بقدرته على التلاعب بمستوى الحقيقة. فبينما يستند إلى قصَّة واقعيّة، لا يتعامل معها كمادة توثيقيّة، بل كحكاية معاصرة عن السُّقوط في المجهول. في أحد الحوارات، يقول البطل إنه لم يعد يُدرك هويّته، تائهًا بين الاستهلاك والإيمان والبطولة العسكريّة. هي عبارة تختصر أزمة الفيلم والأمَّة بأكملها، أي الذات الأميركيّة المُعاصرة بوصفها كائنًا بلا مرجعيّة!
تُعيد هذه النزعة إلى الأذهان فيلم "Catch Me If You Can" (إنتاج 2002) للمُبدع Steven Spielberg، الذي قدَّم شخصية المحتال "Frank Abagnale Jr" باعتبارها انعكاسًا للحلم الأميركي المزيّف، أي الذكاء الفردي كوسيلة للتحرُّر من المنظومة. لكن بينما يحتفي Spielberg بالقدرة على التكيُّف، يُدين Cianfrance القدرة ذاتها بوصفها وجهًا آخر للاغتراب. في كلا الفيلمين، نجد البطل يتحوّل إلى مُمثلٍ في مسرح اجتماعي كبير، لكنه في "Roofman" لا يجد جمهورًا للتصفيق، بل جدارًا للعزلة.
الهروب في "Roofman" ليس سلوكًا، بل بُنية فكريّة. فالبطل يهرب من القانون، من الماضي العسكري، من الفقر ومن نظرة الآخرين. غير أنّ الهروب الأكبر هو من الذات، أي من مواجهة الخواء الداخلي. وهنا يلتقي الفيلم بفلسفة الوجوديّة السينمائيّة، حيث يصبح الفعل الإجرامي مُحاولةً لإعادة الإمساك بالكينونة.
يُقدّم "Roofman" تجربة سينمائية مغايرة بين التراجيديا والدراما الإنسانيّة العاطفيّة، بين العُمق الفلسفي والإمتاع السّردي. إنه فيلم عن الداخل أكثر ممّا هو عن الخارج، وعن الاختباء أكثر من الهروب. غير أن هذه الرّؤية، على جمالها، تظلّ منقوصة لأن المُخرج — على عكس ما فعله في "Blue Valentine" - لم يذهب حتى النهاية في تشريح التناقضات النفسيّة والاجتماعيّة التي صنعت بطله... فأصبح الفيلم آمنًا أكثر ممّا تبتغيه الرّوح النقديّة!
يُعيد المُخرج Derek Cianfrance عَبر هذا الفيلم بناء مفهوم البطولة في السّينما الأميركيّة، حيث لم تعُد البطولة في الفعل البُطوليّ أو التضحية، بل في القدرة على البقاء حيًا في عالمٍ لا يمنحك مكانًا لتقف فيه. لذا يندرج "Roofman" في ما يُصار تسميته بالسّينما الأميركيّة، الميتا-أخلاقية، التي تتعامل مع الجريمة لا كفعلٍ شرّير، بل كأداةٍ لاختبار معنى الوجود. وفي هذا السّياق، يظلّ الفيلم مُساهمة مُهمَّة في مسار Cianfrance، ومُحاولة ذكيّة لتحويل حادثة واقعيّة هامشيّة إلى استعارة فلسفيّة عن سقف الإنسان في عالمٍ بلا جدران.
هل يُمكن للمرء أن يُعيد بناء ذاته داخل متجر ألعاب؟ أم أن المُجتمع الأميركي، المهووس بالأمن والمُراقبة والاستهلاك، لا يتيح لأي روحٍ مُنفصلة أن تنجو؟ تابعوا تفاصيل هذه المُواجهة الفذة في صالات السّينما.