فعلت الدبلوماسيتان القطرية والتركية فعلهما بسحر ساحر، وما كان عسيرًا تحقيقه بين الجارتين المتوجّستين من بعضهما بعضًا باكستان وأفغانستان، أضحى يسيرًا. فقد نجحت الدوحة أخيرًا خلال استضافتها مفاوضي البلدين في إسكات صوت المدافع، ووضع حدّ لاشتباكات دامية اندلعت الأسبوع الماضي بين الدولتين اللتين تتشاركان حدودًا مضطربة ومترامية الأطراف، تنشط فيها، خصوصًا حركة "طالبان باكستان"، التي تشكّل صداعًا مزمنًا لإسلام آباد منذ عام 2007.
الاشتباكات العنيفة بين البلدين تسبّبت بسقوط قتلى وجرحى في كلا الجانبين، ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار سريعًا حيز التنفيذ، إلّا أن صناع القرار في كلا الدولتين يدركون طبيعة التعقيدات القبلية المزمنة، في جغرافيا متداخلة ووعرة، وذات جذور تاريخية ضاربة في مرحلة الاستعمار البريطاني الذي انتهى بتقسيم الهند، وعقود طويلة من الاضطرابات التي لم تعالج بشكل جذري وسليم.
فيما ترفض باكستان وجود "طالبان باكستان" على حدودها، وتتهم كابول بإيواء عناصرها ورعايتهم، وترى أن ضربها للحركة داخل الأراضي الأفغانية حق مشروع، نظرًا لانطلاق هجماتها من هناك، تجهد أفغانستان التي أمست منذ عام 2021 تحت حكم حركة "طالبان" مرّة جديدة، مع انسحاب القوات الأميركية منها، إلى صون سيادتها وحماية أراضيها، رافضة التبعية لجارتها.
تعزو أفغانستان سبب التوتر مع جارتها، إلى القصف الباكستاني لمناطقها المأهولة، بذريعة استهداف مواقع "طالبان باكستان" ومقاتليها، وإلى خرق الطيران الحربي الباكستاني الأجواء الأفغانية لهذه الغاية، في حين تعتبر باكستان أن ما تسميه الإرهاب العابر للحدود من أراضي جارتها هو خط أحمر بالنسبة إلى أمنها القومي، وأنه في حال سيطرة حكومة كابول الطالبانية على الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، تحل عندها القضية، خصوصًا أن إسلام آباد تؤكد أن قواتها قتلت عشرات الإرهابيين، حاولوا التسلّل إلى الأراضي الباكستانية من أفغانستان.
لا ريب أيضًا في أن باكستان بدأت تشعر بـ "ضيق استراتيجي"، بحكم موقعها بين الهند، عدوّتها التاريخية اللدودة من جهة، وأفغانستان، عدوّتها المستجدة نسبيًا من جهة أخرى، وهي تتهم نيودلهي بالوقوف إلى جانب كابول. في المقابل، تعتبر أفغانستان أن غريمتها تدور في الفلك الأميركي، وأنها خاضت غمار حروب عدة مع الهند، وتعيّرها بذلك أنها تجنح سريعًا نحو الحروب، عوض تغليب الأطر الدبلوماسية.
في حمأة التوترات العسكرية بين البلدين، كان لافتًا التوصّل السريع في الدوحة قبل أيام إلى اتفاق مبدئي لوقف النار، ردّ المراقبون أسباب نجاحه إلى الزخم القطري والتركي الذي منح مفاوضي الدولتين فائضًا من الثقة، كانت معدومة بين كابول وإسلام آباد، على أن تلي الاتفاق المبدئي جلسة مباحثات ثانية تستضيفها اسطنبول في 25 من الشهر الحالي، بغية تثبيت الاتفاق، وإعادة حركة العبور بين البلدين إلى سابق عهدها، على المعابر البرية المتعددة في المنطقة الحدودية، التي تُعد بمثابة شرايين اقتصادية لكلا الدولتين، وتشكل عنصرًا محوريًا في التجارة الإقليمية، خصوصًا أن أفغانستان تستخدم الموانئ الباكستانية، التي تُعتبر مُتنفسها إلى المحيط الهندي، في حين تكمن مصلحة باكستان الاستراتيجية في حدود غربية آمنة، وألا تعود هذه الحدود "شوكة في خاصرتها" الرخوة. وهنا، تجهد إسلام آباد لتعزيز قوات مراقبة الحدود، لتكون أكثر حذرًا في التعاطي مع آلاف عابري الحدود يوميًا، خصوصًا أن باكستان تضم على أراضيها العديد من اللاجئين الأفغان، الذين يُثقلون كاهلها الأمني كما الاقتصادي، وتطالب بإعادتهم إلى بلادهم.
في المحصلة، أبدى المسؤولون في كابول وإسلام آباد امتنانهم الشديد لقطر وتركيا على حد سواء، لجهودهما البارعة وظفرهما في التوصّل إلى اتفاق وقف النار، وهم يأملون في أن تُكلّل محادثات اسطنبول المرتقبة بعد أيام، بتثبيت الاتفاق ليكون شاملًا ومستدامًا، بين بلدين مزقتهما نار الحروب المتعددة على مر التاريخ.