يظنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري أنّ سياسة التذاكي، التي دأب على اعتمادها لعقود، يُمكن له أن يواصل في تمريرها، دون رادع أو مانِع أو مَن يرفع الراية الحمراء في وجهه.
نجح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في تغريدته بعد ظهر أمس الإثنين، والتي علّق فيها على "الفتاوى" التي يُطلقها الرئيس بري يميناً ويساراً، تارةً بإسمه وطورًا عبر مُسمّيات صحفية من مصادر مجلسية إلى مراجع رفيعة، أن يدفع قاطِن عين التينة لينكر عبر "مصادره" ما يُنسب إليه.
يعلم رئيس حركة أمل، بأنّ كلام رئيس "القوات" عن أنّ القرار في المجلس النيابي يعود للأكثرية النيابية وليس له وحده، لا يمكن الردّ عليه إلّا بسياسة الهروب والتلطّي خلف خزعبلات إعلامية، ويُدرك بأنّ كلام جعجع كشف هرطقاته وأرانبه، مهما حاول أن ينكر تعابيره، المنسوبة إليه، بشكل موجّه ومعلّب، عن سابق تصوّر وتصميم، هنا وهناك.
في تاريخ السادس عشر من الشهر الجاري، قال بري في حديث صحفي حرفيًا "عمليات الاقتراع ستحصل في لبنان، ومَن يُريد أن يشارك في الاقتراع وينتخب، يستطيع أن يأتي إلى لبنان وينتخب في لبنان."، وقبله بأيام، في العاشر من الشهر نفسه، أكّد بري في حديث صحفي بأنّه "لا جلسة لمجلس النوّاب للبحث في أيّ تعديل... لا أحد يتحدّث معي. لن أغيّر رأيي ولن أتزحزح.".
إنّ ما أضاء عليه جعجع، يصبّ في الصّميم، فرئيس المجلس النيابي، ضرب النظام البرلماني وكلّ الأسس الديمقراطية، وهو يُحاول عن سابق تصوّر وتصميم اختزال البرلمان بشخصه وبحركته وبمحوره وبسياساته، بعيداً عن أيّ أصول.
إنّ القول الذي ذكره جعجع نقلاً عن رئيس المجلس يتماهى تماماً مع ما دأب الأخير على تعميمه في الأيام العشرة الأخيرة، حيث لا احترام، لا لأكثرية، لا لصفة العجلة في طرح اقتراحات القوانين، لا لنظام داخلي، لا لأعراف ولا لأصوات لبنانية تتخطّى مئات الآلاف في الخارج وتُطالب باحترام مبدأ دستوري اسمه "المساواة"، تخطّاه رئيس المجلس باسم المجلس والقانون زوراً وبهتاناً.
نعم، رئيس المجلس قال بنفسه أنّه "لا إمكانية على الإطلاق لتكرار تصويت المغتربين كما في الانتخابات النيابية السابقة"، وذلك عبر انقلابه على النظام والأعراف، من خلال رفضه ادراج اقتراح قانون معجّل مكرّر موقّع من ٦٧ نائباً لتعديل قانون الانتخابات والسماح لغير المقيمين بالتصويت من أماكن إقامتهم خارج لبنان للمرشّحين في دوائر قيودهم داخل لبنان، ومن ثمّ عبر رفضه الأخذ بعريضة نيابية وقّع عليها ٦١ نائباً تطالب بالأمر نفسه.
نعم، رئيس المجلس قال بنفسه أنّه لن يلتفت "لا للضجيج ولا للصراخ مهما علا"، وذلك بإدارته ظهره لكلّ المناشدات التي أطلقها الاغتراب اللبناني والعرائض التي تمّ توقيعها بأعداد كبيرة، وصولاً لكل المطالبات الداخلية من الأكثرية النيابية إلى البطريرك الراعي.
إنّ الرد، على رئيس "القوات"، الذي سرّبه بري بأسلوبه المعتاد، "من أين لك هذا الكلام الذي نسبته إلي؟ ألم يعد في جعبتك غير استصدار كلام عن لساني والجواب إليك."، مردود في شكله ومضمونه، ففي جعبة جعجع نصوص الدستور والتمسّك بالانتظام العام، أمّا لسان بري، وبالوقائع الآنفة الذكر، فهو لسان الانقلاب على كل انتظام وكل قانون وكل دستور.
نعم، الحكيم أحرج الاستاذ، فخرج ناكراً ما دأب على تسويقه بالقول والممارسة، ليعود ويُجدّد الأول التحية بحكمة وحنكة ويقول عن النفي "هذا أقصى ما كنت أتمناه. نحن في انتظار ان تُدرِج اقتراح القانون المعجل المكرر..."، فهل يتجرأ الرئيس بري على احترام دوره وموقعه ويُطبّق النظام الداخلي كما هو، أو سيبقى مختبئاً خلف المصادر والمراجع، بين نفي وتأكيد، وتسريب وتلميح.
إنّها شريعة الغاب بمطرقة "أستاذ"، وقد واجهها سمير جعجع بمندرجات الدستور ونصوص القانون "إمّا دستور وقانون ونظام، وإمّا شريعة الغاب.".