جاد الاخوي

وقاحة تحميل الحكومة مسؤولية حرب لم تقررها

3 دقائق للقراءة

بعد كل حرب جرت في لبنان، تتكرر على ألسنة قياديين في "محور الممانعة" عبارة باتت مألوفة في الأزمات: "على الحكومة أن تتحمّل مسؤولياتها تجاه العدوان الإسرائيلي." وكأنّ الحكومة هي التي قرّرت خوض الحرب، أو كانت شريكًا في التخطيط والإسناد، أو حتى على علم بموعد انطلاقها. هذه العبارة، التي تُقدَّم بلهجة المسؤول الوطني، تخفي في طيّاتها مفارقة صارخة: أي حكومة تُطالب بتحمّل مسؤولية حرب لم يكن لها رأي في قرارها، ولم تُستشر في مسارها، ولا حتى جرى إبلاغها مسبقاً بتداعياتها المحتملة؟

فمنذ اندلاع المواجهة الأخيرة، كان القرار – كالعادة – بيد الحزب وحده. لا مجلس وزراء انعقد، ولا نقاش جرى في المؤسسات الدستورية، ولا اعتبارات مالية أو إنمائية أُخذت في الحسبان. من قرّر الحرب هو نفسه من يحدّد توقيتها، مداها، وأهدافها، بينما يُترَك للدولة أن تتلقّى نتائجها: دماراً في البنى التحتية، نزوحاً في الجنوب، وتراجعاً اقتصادياً يضيف طبقة جديدة إلى طبقات الانهيار المتراكمة منذ سنوات.

ثم تأتي المفارقة الكبرى حين يُطلَب من الحكومة أن "تتحمّل مسؤولياتها" في إعادة الإعمار. أي إعمار؟ ومن أي أموال؟ وهل كانت في موازناتها اعتمادات مخصصة لمواجهة حرب لم تقررها؟ هل وضعت الدولة في حسابها أن صواريخ الحزب ستستدرّ عدواناً مدمّراً، وأن آلاف العائلات ستُهجّر من قراها من دون خطة استيعاب أو إغاثة؟ إنّ الطلب من الحكومة اليوم أن تقوم بترميم ما دمّرته حرب فُرضت عليها، يشبه مطالبة ضحية السرقة بدفع ثمن الأضرار للّص نفسه.

الوقاحة لا تقف هنا. فحين يُسأل الحزب عن موقع الدولة، يردّ بأن الحكومة ضعيفة أو عاجزة، وأنّ المقاومة هي التي تملأ الفراغ. لكن من الذي عطّل الدولة؟ ومن الذي صادر قرارها الأمني والعسكري منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم؟ كيف يمكن للدولة أن تُمارس مسؤولياتها في ظل وجود جيش موازٍ، يقرّر السلم والحرب، ويجرّ البلاد إلى مواجهات من دون تفويض، ثم يطالبها لاحقاً بتحمّل الأعباء؟

في كل مرة يُعاد فيها إعمار الجنوب، تتكرّر الدورة نفسها: حرب، دمار، إعمار بتمويل خارجي، ثم حرب جديدة. الدولة تُستنزف، والمؤسسات تضعف، والمجتمع يعيش بين هدنة وهزّة. والمفارقة أن الذين يعلنون اليوم أنّ "على الحكومة أن تتحمّل مسؤولياتها"، هم أنفسهم من يقاتلون أي محاولة لاستعادة الدولة قرارها السيادي.

الحقيقة أنّ الحكومة اللبنانية لا تملك لا القرار ولا الإمكانات. والمطلوب منها اليوم ليس أن تتحمّل مسؤولية حرب لم تصنعها، بل أن تمتلك شجاعة قول الحقيقة للبنانيين: إنّ الدولة التي لا تقرّر الحرب لا يمكن أن تتحمّل كلفتها، وإنّ من يفرض المعركة عليه أن يتحمّل تبعاتها.

فإلقاء اللوم على الحكومة بعد كل حرب هو محاولة جديدة لتبييض صورة حزب الله وتحميل الدولة مسؤولية نتائج مغامراته. أما الشعب اللبناني، فقد سئم أن يدفع الفاتورة مرتين: مرة باسم المقاومة، ومرة باسم الإعمار. لقد آن الأوان لقولها بوضوح: من يقرّر الحرب، يدفع ثمنها. ومن يحتكر قرار السلم، لا يملك الحق في إلقاء اللوم على من حُرم من القرار.