لا تحتاج كلّ العواصف إلى حدث جديد لتشتعل. أحيانًا يكفي فيديو قديم ليعيد إشعال كلّ الأسئلة المعلّقة في بلد يعيش على حافة التناقض. هكذا كانت الحال مع تسريب مقطع زفاف ابنة أحد أبرز رموز النظام الإيراني علي شمخاني، والذي تحوّل خلال ساعات إلى مرآة مصغرة لإيران بأزماتها المتشابكة: من الاقتصاد المنهك إلى الانقسام الاجتماعي، مرورًا بصراعات الحكم في طهران.
الفيديو، الذي يعود إلى العام 2024، لم يُثر الجدل بسبب تفاصيل الزفاف فحسب، بل بسبب كشفه عمق الهوّة بين السلطة والمجتمع. فبين فستان أبيض فاخر وسط قاعة فخمة، وبلد يرزح تحت تضخم تجاوز الـ 40 في المئة وعقوبات أممية بسبب البرنامج النووي تخنق يوميات الناس، وجد الإيرانيون في المشهد رمزًا للفجوة التي تفصلهم عن قادتهم.
مشاهد العروس وبعض المدعوات بملابس بعيدة عن الحجاب المفروض على الشارع الإيراني، فجّرت جدلًا حول ازدواجية المعايير، فيما أعاد البذخ الاقتصادي التذكير بحقيقة مجتمع تتسع فيه المسافة بين من يملكون ومن ينتظرون الخبز المدعوم.
فمن الزاوية الاجتماعية، بدا المشهد كصفعة رمزية في وجه ملايين النساء الإيرانيات اللواتي يُلاحقن يوميًا في الشوارع والحافلات والمقاهي والمحال التجارية باسم الزي الشرعي، بينما تظهر نساء السلطة والمقرّبين منها متحرّرات أكثر. بالفعل، لقد تحوّل الحجاب في إيران من رمز ديني إلى أداة سلطة، تستخدم لقياس الولاء ومعاقبة التمرّد. ومنذ مقتل مهسا أميني في أيلول 2022 على يد "شرطة الأخلاق"، لم يعد الأمر مجرّد قضية لباس، بل باتت القضية عنوانًا لصراع اجتماعي عميق بين من يطالب بالحرّية الفردية، ونظام يرى في المظهر معركة وجودية.
فبينما تخشى الفتيات العاديات دخول السجن بسبب غطاء رأس متراخ، تذهب نساء النخبة إلى حفلات بلا خوف ولا مساءلة. وهكذا يكون الفيديو تجاوز حدود الحدث العابر، ليصبح مرآة تعكس جوهر التناقض الإيراني: نظام يرفع شعار التقوى ويغرق في الترف، وسلطة تفرض الحجاب في الشارع وتخلعه في قصور الحكم.
أمّا من الزاوية الاقتصادية، فرغم أن من يشاهد الفيديو يلاحظ جيّدًا أنه لا يشكّل بذخًا فاضحًا، لكنه شكّل صدمة للرأي العام... لماذا؟ لأن البلد يعيش واحدة من أسوأ أزماته المعيشية منذ عقود، وسط تضخم يتجاوز حد الـ 40 في المئة، بحسب الاقتصاديين، وانهيارًا في قيمة العملة، واتساع رقعة الفقر والبطالة.
كلّ ذلك يأتي في ظلّ العقوبات الأممية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي. ورغم الإنكار الإيراني الذي امتد لفترة غير قصيرة، يبدو أن النظام اليوم لم يعد قادرًا على الاستخفاف بفعالية العقوبات أمام الإيرانيين، فخرجت المتحدّثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني وأقرّت علنًا بأن العقوبات أدّت إلى ارتفاع معدّلات التضخم لتتجاوز الـ 30 في المئة، وفق أرقامها، مؤكدة أن الحكومة لا تنكر هذا الواقع وتقبله بالكامل. ولكن رغم هذا الإقرار، فإن النظام الإيراني المتعنت مستمرّ بسياساته التدميرية في وجه "الشيطان الأكبر"، والتي في الواقع إن دمّرت "شيئًا"، فقد دمّرت الشعب الإيراني.
ناهيك عن التضخم، فالعملة الإيرانية إلى تراجع مستمرّ، إذ فقدت أكثر من نصف قيمتها منذ أن تولّى الرئيس مسعود بزشكيان منصبه العام الماضي، وهي تسجل أرقامًا قياسية في التراجع أمام الدولار. وبطبيعة الحال، وعدت حكومة بزشكيان بإقرار برنامج مواجهة "آلية الزناد" عبر حزمة تعليمات للوزارات والمؤسّسات بهدف تقليل أثر العقوبات على حياة المواطنين، غير أن من يتابع وعود إيران يعلم جيّدًا أن هذه الوعود لن تتجاوز الشعارات، لتبقى معاناة الإيرانيين في مواجهة واقع اقتصادي خانق يتأرجح بين ضغط خارجي متصاعد وقيود داخلية متزايدة.
على كلّ حال، لم يكن توقيت إعادة نشر الفيديو عفويًا في نظر كثير من المراقبين. فشمخاني يُعدّ من أبرز الشخصيات البراغماتية داخل النظام الإيراني وشغل موقعًا حساسًا في إدارة ملفات الأمن القومي والتفاوض النووي، قبل أن يُستبعد العام الماضي إثر خلافات داخلية مع التيار المحافظ المتشدّد. لذلك، قد يكون انتشار الفيديو محاولة متعمّدة لتشويه صورته والإساءة إلى موقعه داخل بنية السلطة، خصوصًا في وقتٍ يتسع فيه الصراع بين أجنحة النظام على خلفية إدارة الأزمة الاقتصادية وتداعيات العقوبات الدولية.