ساركوزي... من قصر الإليزيه إلى سجن "لاسانتيه"

4 دقائق للقراءة

أودع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي سجن "لاسانتيه" الباريسي أمس بعد شهر تقريبًا من صدور حكم بسجنه خمس سنوات لإدانته بالحصول على تمويل غير قانوني من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي لحملته الانتخابية، في سابقة في تاريخ البلاد الحديث وتاريخ الاتحاد الأوروبي. وغادر ساركوزي برفقة زوجته كارلا بروني مقرّ إقامته في حي راق في غرب باريس، حيث تجمّع أنصار له هتفوا "أفرجوا عن نيكولا". وجدّد ساركوزي التأكيد عبر منصّة "إكس" أنه "لا يُسجن رئيس سابق للجمهورية، بل شخص بريء". ومع وصوله إلى السجن هتف سجناء من زنزاناتهم: "أهلًا بك ساركوزي!". وذكر محامو ساركوزي أنه تقدّم بطلب للإفراج عنه فورًا بعد دخوله السجن، فيما سيكون أمام محكمة الاستئناف شهران للنظر في طلب الإفراج الموَقت، لكن من المتوقع أن تعقد الجلسة بشكل أسرع.

ويأتي ذلك بعدما حُكم على ساركوزي، الذي كان رئيسًا لفرنسا بين العامَين 2007 و2012، في أواخر أيلول بالسجن خمس سنوات بعد إدانته بالسماح لأقرب معاونَين له حين كان وزيرًا للداخلية، هما بريس أورتوفو وكلود غيان، بالتواصل مع القذافي للحصول على تمويل غير قانوني لحملته الانتخابية، إلّا أنه لم يتلق في النهاية هذا التمويل. وإذ أقرّت المحكمة بأنه لم يثبت وصول أموال في نهاية المطاف إلى صناديق حملة ساركوزي، إلّا أنها أفادت بأن التحقيق كشف حركة أموال انطلاقًا من ليبيا "بهدف تمويل" الحملة. وعقد غيان وأورتوفو في نهاية 2005 اجتماعات مع عبدالله السنوسي، مدير الاستخبارات الليبية المحكوم عليه بالسجن مدى الحياة غيابيًا في فرنسا لدوره في الاعتداء على طائرة "دي سي 10" التابعة لشركة "يوتا" الفرنسية عام 1989، والذي أودى بحياة 170 شخصًا، بينهم 54 فرنسيًا.

وكان القضاة قد أثاروا في حكمهم على ساركوزي الذهول في قاعة المحاكمة بإصدارهم أمرًا بإيداعه السجن بالتزامن مع حكم إدانته بـ "التآمر الجنائي"، من دون انتظار محاكمة الاستئناف. وتذرعوا بـ "خطورة الوقائع الاستثنائية" ليحدّدوا للرئيس الأسبق مهلة قصيرة فقط لترتيب أوضاعه قبل دخوله سجن "لاسانتيه"، الذي كان من بين نزلائه الإرهابي اليساري "كارلوس الثعلب" والزعيم البنمي مانويل نورييغا. ومن المرجّح أن يُحتجز ساركوزي في وحدة العزل، حيث يوضع السجناء في زنازين منفردة ويمارسون الأنشطة خارجها بمعزل عن بعضهم بعضًا لأسباب أمنية. وينصّ نظام الحبس الانفرادي على نزهة واحدة في اليوم في باحة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربّعة، مع إمكان وصوله إلى واحدة من قاعات الرياضة الثلاث في السجن أو إلى القاعة المستخدمة كمكتبة. وتتشابه وحدة العزل مع بقية السجن من حيث تراوح مساحة الزنازين بين تسعة إلى 12 مترًا مربعًا، بينما أصبحت تضمّ بعد التجديدات حمامات خاصة. وسيحصل ساركوزي على تلفزيون مقابل رسوم شهرية وهاتف أرضي.

وكأي سجين آخر، لم يُسمح لساركوزي بأخذ سوى عدد محدود جدًا من الأغراض الشخصية: حقيبة واحدة، 10 صور، وثلاثة كتب كحدّ أقصى، وهي قواعد صارمة لم يُعف منها الرئيس الأسبق، فما هي الكتب التي حملها لمواجهة محنة السجن؟ دخل ساركوزي "لاسانتيه" وهو يحمل "لو كونت دو مونت كريستو" لألكسندر دوما (الجزآن الأول والثاني)، وهي قصّة رجل سُجن ظلمًا ويخطط للانتقام مِمّن خانوه، و"سيرة يسوع" لجان - كريستيان بتيفيس.

سياسيًا، تلقى ساركوزي، الذي يُعتبر مرجعية في اليمين الفرنسي ويستشيره قادته بانتظام، دعم معسكره. وزار يوم الجمعة الماضي قصر الإليزيه، حيث استقبله الرئيس إيمانويل ماكرون الذي صرّح بأن هذا اللقاء "طبيعي على الصعيد الإنساني". وأكد وزير العدل جيرالد دارمانان، المقرّب من ساركوزي، أنه سيزوره في السجن، معربًا عن قلقه من "الجوانب الأمنية" خلال سجنه. وأظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة "إيلاب" مطلع الشهر الحالي لمصلحة قناة "بي أف أم تي في" أن 58 في المئة من الفرنسيين يرون أن الحكم نزيه، فيما يؤيّد 61 في المئة قرار إرسال ساركوزي إلى السجن من دون انتظار الاستئناف.

على صعيد آخر، اعتبر ماكرون أنه لا يزال من الممكن إجراء استفتاء لحسم الجدل حول تعديل نظام التقاعد، بعدما علّق رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الأسبوع الماضي هذا التعديل، الذي وافق عليه البرلمان من دون تصويت عام 2023، من أجل كسب دعم الحزب الاشتراكي وبالتالي اجتياز تصويت على سحب الثقة من حكومته.