المحامي محمد آصف ناصر

محنة المواطنة: الحصن الأخير

4 دقائق للقراءة

في 1/6/2006 نشر عميد الـ CIA المتقاعد رالف بيترز مقاله "حدود الدم" عن رؤيةٍ لشرق أوسط أفضل، أُرفقت به خريطة لشرق أوسط جديد، عرقلته نتائج حرب تموز.

أوقف النصر الإلهي مشروع كوندوليزا رايس، لكنه لم يسقطه، بل أسقطت السكين البطيئة النصر الإلهي، واستمرت في سرقة الجراح حتى الخلايا الجزعية. بين مراكز الأبحاث وعنترة بن شداد ينتصر الوعي ويسقط التفاخر، سقطت دماء كاظم خنافر بعد أن باع جماعة السياسي تضحيات الشباب بثلاثين من الفضة. كاظم خنافر ورفاقه كسروا عنجهية الاحتلال لكن عنجهية رفاقهم قتلتهم.

المضحك أن يلوذ شخص مثلي، آمن يومًا بدماء كاظم، بخريطة رالف بيترز ليحفظ ما تبقى من تراث. من سخرية القدر أن يتأكَّل العفن في طائفتي على مائدة صدقة كاظم بينما أنا أجابه زيف من زعموا أنهم أولياء دمه.

تحالَف العفن في كل الطوائف ليقضي على ما تبقى من تراثنا، فأرى تراثي نهبا، والدعي ابن الدعي يتشطر ضرعيها.

الثغور اليوم لم تعد على الحدود، بل في القلوب والعقول، سقطت الحدود التي رسمتها فرنسا وانجليزيا (وفق جودي)، وبدأنا نشهد حدودا رُسِمَت في عهد لويس السادس. لم يكن رالف بيترز أول من تحدث عن قيامة فينيقيا، بل سبقه الصليبيون وحتى مارك سايكس وفرانسوا-جورج بيكو، لكن أوقفها في العام 1920 كل من العلامة الشيخ سليمان الأحمد (قد) والبطريرك الياس الحويك. فالعلامة مسكونًا بالعرفان والانتماء إلى مفهوم الأمة، والبطريرك وهمومه ومعاناته التاريخية في هذا الشرق، لم يهضما بناء دولة ساحلية تنعزل عن العمق الاستراتيجي وهكذا اعتقدت المرجعيات الروحية العلوية في الشيخ بدر في 09/12/2024. غير أن لشبه الجملة "عوي ولاك"، و"سبحان من أعزنا وأذلكم"، وقع أمضى خاصة إذا ما اقترنت هذه العبارات بــ"أحداث فردية" ومجازر عين شمس و الدعتور تلتها جرائم إبادة جماعية في آذار 2025 وتفجير كنائس في دمشق وقص شوارب في جرمانا والسويداء. المواطن من الطيف العلوي والمسيحي والسني والموحد الدرزي في سوريا لم يكن بوارد التفكير بإعادة رسم الخريطة، غير أن ارتكابات القوى المتحكمة بالمشهد جعلت من فينيقيا حلم جميل يراود مخيلة كل مؤمن بالمواطنة والدولة المدنية.

إن الحجر الذي رذله البناؤون أصبح حجر الزاوية.

على مفترق التحديات الوجودية والمصاعب الديموغرافية والعواصف الإقليمية، وفي نهاية نفق معاناة المواطن في شرق الطوائف المتعب تشرق الجمهورية اللبنانية الثالثة أملا في آخر النفق، أمل بأن تضم هذه الجمهورية كافة المتحدات التي تؤمن بسلطان القانون والمواطنة، جمهورية مدنية تضمن حقوق المواطنة وتثبتها.

عندما سحبت الصين رعاياها من الساحل الشرقي للمتوسط في أعقاب سقوط حلب، قلت لصديقي عمار وقع التقسيم فاستهجن عمار لأنه لم يفهم أنه مع سقوط مشروع الحزام والطريق انتصر مشروع ممر داوود وأن خريطة العالم الاقتصادية وبالتالي السياسية سترسم بناء على هذا المشروع، غير أنه وبعد آذار 2025 أصبح حلم عمار التقسيم. بصرف النظر عما حصل في أعقاب خطاب نتانياهو في تشرين الثاني 2024 وتحذيره لبشار الأسد بأنه يلعب بالنار، فمن الحتمي أن المنطقة دخلت مرحلة لا إيديولوجيا فيها ولا تعنت ولا عناد. مرحلة أصبحت فيها شهادة كاظم خنافر ومضر مرهج مرويات عن بطولات من زمن مضى ولن يعود.

اليوم يقتبس توم باراك عبارات رالف بيترز، وتوم باراك هو المبعوث الأوفى لسلطان الإسلام السياسي في سوريا وتركيا، إلا أنه يخبر عن حقيقة المقبل من الأيام.

في أتون التغيرات الكبرى، وفي ظل إعادة رسم العالم، تقف الجمهورية اللبنانية بسلطاتها الدستورية حصنًا أخيرًا للمواطنة في هذا الشرق المهزوم المتعب، شرق هزمه أبناؤه، وأتعبته لعبة الأمم. في هذا الشرق لا مكان للإنسانية إلا في الحصن الأخير، حيث تتبرعم أشجار الأرز في جرود بشري، وتشهد بأم العين انبثاق غابات الأرز بعد أن كانت في ظل الضمور والتصحر الفكري محمية صغيرة.

في مشواري مع عمران من أرز بشري إلى عيون أرغش، شاهدت انبعاث الفينيق اللبناني مع كل برعم ينبت لشجر الأرز الجديد.

هذا الفينيق ينتعش بالتنوع واحترام الاختلاف، يعيش بالحرية واحترام القانون، وبالتعددية يحيا.

كن مواطنًا لبنانيًا، و:

سِر وخلِّ الأرض تمشي تحتنا

وليغني الأرز لبنان لنا

ذكِّر التاريخ أنّا من هنا

نحن أشرقنا فحررنا الوجود.