الدكتور سايد حرقص

قراءة السياسة اللبنانية من خلال مرآة الميثولوجيا اليونانية

4 دقائق للقراءة

​في الأزمنة التي يتشابك فيها الواقع بالأسطورة، يتحوَّل لبنان إلى مسرحٍ درامي يعيد تمثيل تراجيديات الإغريق، حيث تتبدَّل الأسماء وتتغير الوجوه، لكن يبقى المعنى الإنساني متجذِّرًا. إن قراءة الواقع اللبناني من خلال عدسة الميثولوجيا اليونانية ليست هروبًا إلى الماضي، بل هي محاولة لاكتشاف اللاوعي الجماعي الذي يُشكِّل الهوية اللبنانية المعاصرة. فالأسطورة ليست حكاية قديمة، بل هي قالب فكري تُعيد الشعوب إنتاجه حين ينخفض مستوى الوعي عندها وتُعجَز عن تقييم ذاتها وحقيقتها.

​في الميثولوجيا اليونانية، زيوس هو سيِّد الآلهة، مالك الصواعق، ورمز السيطرة المطلقة. لكن هذه السيطرة لم تكن يومًا خالية من القلق؛ فزيوس يعيش في رعبٍ دائم من تمرُّد الآخرين عليه أو سرقة صواعقه. ​بهذا المعنى، يمكن النظر إلى ظاهرة السلاح غير الشرعي في لبنان، والممثلة بحزب الله، كامتدادٍ لرمزية زيوس. هذا الكيان يمتلك قوة تخترق كل بنى الدولة، ويمنح ذاته شرعية فوق القانون باسم "القدر الإلهي" أو "المقاومة المقدَّسة". لكنه في العمق، يعيش في خوفٍ مستمر من فقدان السيطرة، وفقدان تميُّزه وفقدان سلاحه.

​زيوس لا يحكم بالعقل بل بالرعد، وكذلك حزب الله لا يحكم بالإقناع بل بالترهيب. ومثلما كانت قوة زيوس سببًا لعزلته الميتافيزيقية عن الآلهة والبشر، تتحوَّل فوقية وعنجهية الحزب إلى عزلة تفصله عن الواقع الوطني، حيث يصبح من يعارضه كمن يعصي قدرًا مقدَّسًا لا يُناقَش.

​في أسطورة أخرى، سرق بروميثيوس النار من زيوس ليمنحها للبشر، وكانت تلك النار رمزًا للوعي والتمرد على النظام الأبوي الذي يحتكر النور. عوقب بروميثيوس بالسلاسل ونسرٍ ينهش كبده، لكنه لم يندم؛ فالمعرفة عنده أسمى من الطاعة.

​في لبنان، وُلد بروميثيوس الجديد في 17 تشرين 2019. لم يكن شخصًا، بل وعيًا جماعيًا خرج من ظلام القهر، يحمل شعلة الاحتجاج والثورة في وجه أصنام الفساد والاستبداد الذين عمَّموا ثقافة الرعب والخوف. هذا الوعي صرخ بأن أموال الدولة حق للشعب لا ملكٌ للآلهة.

​لكن كما في الأسطورة، وُضع البروميثيوسيون في دائرة العقاب؛ قُمعت ثورتهم،سرقت أموالهم وتعويضاتهم ورواتبهم، شُوِّهت رموزهم، وصاروا مادة للسخرية من قِبل من هم في خدمة تحالف المافيا والميليشيا، ليتحول بروميثيوس اللبناني الى رمز الوعي المُعاقَب.

​في اسطورة أخرى نرى نرسيس، الفتى المراهق الذي هام بصورته حتى غرق فيها، كنموذج أبدي للسياسي الذي وصل بالصدفة للسلطة وبات يرى ذاته مرآة التاريخ.

​يظهر جبران باسيل كتجسيدٍ واضح لهذا النمط النرجسي في لبنان الحديث. يتأمَّل صورته في مرايا الإعلام التابع له وخطابات حملة المباخر من العبيد الخاضعين والمستفيدين والنفعيين، ويقيس مجده بما يراه من انعكاس خضوع اتباعه، لا بما يراه الناس الاحرار من حقيقة وواقع. لقد غرق في ماء صورته، ظانًا أنه جعل من ذاته مرجعًا للهوية، ففقد قدرته على التواصل مع الواقع وظن أن حب الناس ثابت كصورته في الماء. هذه النرجسية السياسية ليست مرضًا فرديًا فحسب، بل عَرَضٌ لجماعة تبحث عن بطلٍ ترى فيه خلاصها. فما كان نرسيس ليغرق لو لم يكن هناك ماء يعكسه، ولا كان هذا النمط ليُضخَّم ذاته لولا مجتمع سطحي يصفِّق لكل انعكاس وهمي يلمع أمامه.

​كل أسطورة تنتهي عندما تتوقف عن إقناع الناس بقداستها. حين يدرك اللبناني أن الرعد ليس إلهًا، وأن السلاح غير الشرعي ليس مقدَّسًا، وأن الزعيم الفاسد لا يمكن أن يحارب الفساد. وحين يعلم أن الحرية لا تُمنَح بل تُنتَزَع، وحين يرى أن المرايا تعكس صورة فساد الشعب على صورة مسؤول، وأن الخوف يدمر ولا يبني، يبدأ زمنٌ جديد لا تحكمه الآلهة المزيفة بل الوعي الشعبي.

​السلاح غير الشرعي هو بقايا البرق الأسطوري لـ "زيوس اللبناني"، رمز القوة التي تخاف من نور الحرية والعدالة أكثر مما تخاف من الأعداء. لكن حين يكفّ المجتمع عن الخوف من البرق، يصبح الصاعق بلا قيمة، ويكتشف الناس أن الخلاص كان داخل أنفسهم. هنا فقط تنكسر الأسطورة، ويبدأ الإنسان اللبناني رحلته من الخوف إلى الحرية، ومن الطاعة العمياء إلى التفكير النقدي، ومن الميثولوجيا إلى صناعة التاريخ.