في 20 تشرين الأول 2017، وبعد 35 عامًا أصدر المجلس العدلي حكمه بالإعدام بحق حبيب الشرتوني ونبيل العلم المتهمين في جريمة اغتيال رئيس الجمهورية الشيخ بشير الجميل، وفي 10 تموز 2025 تم إطلاق مبادرة "المنارة: الائتلاف الوطني ضد الاغتيال السياسي"، بدعوة من مؤسسة لقمان سليم وبرعاية وزير العدل عادل نصار، هي مبادرة وطنيَّة تجمع عائلات ضحايا الاغتيال السياسيِّ وخبراء قانونيين، وناشطين معنيّين بتحقيق العدالة وكشف الحقيقة في مئات الجرائم السياسيّة التي أفلت معظم مرتكبيها من العقاب، وفي 8 تشرين الأول 2025 قام وزير العدل عادل نصار بتعيين محققين عدليين في بعض قضايا الاغتيال السياسي، في سياق خطواته لإنهاء الإفلات من العقاب في لبنان، لا سيما في مسألة الاغتيالات السياسية.
تعتبر هذه الأحداث والخطوات من الخطوات الشجاعة التي تسمح بإعادة فتح ملفات الاغتيال والوصول إلى العدالة، والاغتيال كان السلاح الأنجع للقوى التي تعتمد الفكر الشمولي والراديكالي في سبيل القضاء جسديًا على أصحاب الفكر والرؤية التي تعاكس توجهاتهم، وتعرّض العديد من المثقفين وأصحاب الفكر في لبنان للإلغاء الجسدي من دون أن يستطيع القضاء اللبناني والعدالة الاقتصاص من مرتكبي هذه الجرائم، وقد عانى المثقفون وأصحاب الفكر والرأي الشيعة من نهج الإلغاء الجسدي منذ بداية ظهور الأفكار الشمولية على صعيد العالم العربي وحتى قبل تبلور "التيار الولائي" ومفهوم الثورة الإسلامية ونهج القبض على السلطة.
من "قل كلمتك وامش" إلى "صفر خوف": الكلمة أقوى من كاتم الصوت
في 16 أيار 1966، قام القاتل عدنان سلطاني باغتيال رئيس تحرير صحيفة "الحياة" كامل مروة في مكتبه في الصحيفة، ولكن الحظ لم يسعفه للوصول إلى سفارة النظام المصري آنذاك وتم القبض عليه. لم ترق للنظام الناصري مواقف مروة الوطنية والعربية فكان أن ألغاه جسديًا لكن أفكاره ومقالاته ما زالت تقرأ، وعنوان عموده "قل كلمتك وأمش" أضحى شعارًا للدلالة على جرأة الموقف ورفض التهديد والترهيب. لم تمر قضية مروة دون محاكمة، ورغم جبروت الناصرية وتسيّدها الساحة العربية، صدر الحكم في قضية مروة، والذي كان وكيل عائلته المحامي محسن سليم، بحق سلطاني، ومنعت المحاكمة عن المحرّض المباشر إبراهيم قليلات لعدم كفاية الدليل، ومع بداية الحرب استغل مشغلو ومحرّضو سلطاني انطلاق الحرب الأهلية اللبنانية ليتم تهريبه من سجن الرمل في بيروت ويفلت من العقاب.
كانت قضية اغتيال مروة بداية سلسلة من الاغتيالات التي طالت أصحاب الفكر والرأي الشيعة، فكان أن بدأت الحرب الأهلية في لبنان، وفي عام 1979، سيطرت الثورة الإسلامية الإيرانية على الحكم في إيران، وبدأت تعمل على تصدير ثورتها إلى العالم ولا سيما لبنان، فكان صراع الخميني - صدام حسين في لبنان، فدفع ثمن هذا الصراع الكثير من المثقفين وأصحاب الرأي، منهم على سبيل المثال السيد علي بدر الدين الذي تم اختطافه بعد عودته من العراق ومن ثم تعذيبه قبل قتله، وسرت أحاديث عن قيام فيروز بغناء العديد من القصائد التي كتبها السيد دون ذكر اسمه بناء لطلبه، ونقيب الصحافة رياض طه الذي تم اغتياله بكمين مسلح، والشاعر موسى شعيب الذي اغتيل على طريق المطار بإطلاق مسلحين النار على سيارته، والثلاثة تم اغتيالهم عام 1980، وتبعهم الكثير من المثقفين وأصحاب الرأي. ومع تصاعد مشروع تصدير الثورة الإسلامية في لبنان ومشروع "الولاية" المتمثل بـ "حزب الله"، حصل التصادم مع التيار اليساري الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة بالأوساط الشيعية، فكان أن تم اغتيال المفكر ورئيس تحرير مجلة "الطريق" حسن مروة في منزله، والكاتب والأستاذ الجامعي حسن حمدان (مهدي عامل) في طريقه إلى الجامعة، ورئيس تحرير مجلة "بيروت" حسن بزون، وكلهم عام 1987، واتهم آنذاك الحزب الشيوعي اللبناني ما أسماهم "القوى الظلامية" باغتيال هؤلاء المفكرين وغيرهم، كما تم اغتيال العديد من الكوادر والشخصيات اليسارية المثقفة في المناطق الجنوبية والبقاع.
وبعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، وفي 15 كانون الثاني 1992، تم اغتيال الكاتب مصطفى جحا مؤلف كتاب "الخميني يغتال زردشت" في محلة السبتية بكمين مسلح، وبحسب كتاب "الشيعةُ في لبنان، طقوسًا ومُجتمَعًا وثَقافَة" الصادر عن "أمم للتوثيق والأبحاث" عام 2023، وُلِدَ جحا في بلدة الجبّين بقضاء صور عام 1942، نَشرَ مقالاته في "العمل" و"الأحرار" و"النهار"، من مؤلَّفاته: "لبنان في ظلال البعث"، "الخميني يغتال زرادشت"، "رسالتي إلى المسيحيِّين"، "محنة العقل في الإسلام"، "رسائل من خَلْف المتراس"، و"في سبيل وطن وقضيَّة". وأصدرَتِ المحكمةُ الشرعيَّة الجعفريَّة عام 1983 فتوى شرعيَّة تعتبره "كافرًا ومرتدًّا" على خلفية كتابه "محنة العقل في الإسلام". تَميَّزَ جحا بأسلوبه اللاذع ونَقْدِه الحادّ. وعلى الصعيد السياسي، كان له موقفٌ مُتشدِّدٌ من التدخُّل الأجنبي في لبنان، من فلسطيني وسوري وإيراني. حاول نجله الذي يحمل الاسم نفسه إعادة نشر كتبه ولا سيما كتابَي "الخميني يغتال زرادشت" و"رسالتي إلى المسيحيِّين"، فتعرَّضَ بدوره لمحاولةِ اغتيالٍ عام 2012 دفعَته إلى مغادرة لبنان نهائيًّا إلى السويد.
بعد ما يقارب التسع عشرة سنة على اغتيال جحا، تعرض الناشر والكاتب لقمان سليم، المعروف بمواقفه الوطنية اللبنانية وبمبادراته الفكرية والثقافية، ومناوأته نهج الولاية ومشروع تصدير الثورة الإسلامية في لبنان المتمثل بـ "حزب الله"، للاغتيال في 3 شباط 2021 برصاصات الغدر والجهل في بلدة العدوسية بعد أن كان عائدًا من بلدة نيحا في صور. لم يكن لقمان سليم يدرك أن عبارة "صفر خوف" التي اعتمدها لمواجهة سياسة الترهيب والتخوين ستتحول إلى شعار يعتمده الكثيرون لرفض سياسات الفرض والخنوع والإلغاء والترهيب وتصبح شعارًا للمواجهة وللحرية .
نجحت كواتم الصوت في الإلغاء الجسدي، ولكنها لم تفلح في إلغاء الكلمات والأفكار والمفاهيم، وما زالت كلمات وأفكار من تم اغتيالهم بالجسد تسري في عقول وأدبيات ووجدان الأجيال تلو الأجيال.


