مارون مارون

نبيه برّي… رئيس المجلس المقفَل

3 دقائق للقراءة

لم يعد خافيًا على أحد أن رئيس مجلس النواب نبيه برّي يمسك بمفتاح الحياة السياسية في لبنان، لكنه يستخدمه لا لفتح الأبواب أمام الحلول، بل لإقفالها عند كل مفترق دستوري. فمنذ أكثر من ثلاثين عاماً، تحوّل مجلس النواب، وهو السلطة الأمّ في النظام اللبناني، إلى رهينة مزاج رجل واحد يقرّر متى ينعقد ومتى يُجمَّد، متى يتذكّر الدستور ومتى يتجاهله، ومتى يرفع المطرقة ومتى يُسكتها.

نبيه برّي أقفل مجلس النواب مرارًا وتكرارًا، سنواتٍ وسنوات، بحجج واهية: مرةً بحجة غياب التوافق، ومرةً بحجة انتظار التسويات، ومرةً لأن الظروف "غير مؤاتية". والنتيجة دائماً واحدة: شلل كامل في مؤسسات الدولة، وتجميد للحياة التشريعية، وانحدار في صورة لبنان كدولة مؤسسات.

هو يقفل المجلس ساعة يشاء، ويفتحه ساعة يشاء. يقفله عند كل استحقاق كبير، ويعيد فتحه فقط عندما يصبح الأمر مصلحة سياسية له أو لحلفائه.

فعند كل استحقاق رئاسي، يتوارى المجلس خلف جدرانه المقفلة، وكأن لا دور له في انتخاب رئيس للجمهورية. لا جلسات منتظمة، لا حوار جدّي، ولا حتّى احترام للمهل الدستورية. ثم، حين تفرض التسويات الإقليمية كلمتها، يعود المجلس فجأة إلى الحياة، لتُعقد جلسة “اللحظة الأخيرة”.

وفي القوانين، القصة لا تختلف كثيراً. مشاريع إصلاحية عديدة نامت في الأدراج لأن الرئيس برّي لم يرغب بطرحها على الهيئة العامة. قوانين مكافحة الفساد، تنظيم القضاء، اللامركزية، وتحديداً إدراج تعديل قانون الانتخاب الذي يمنح المغتربين حقّ الاقتراع في دوائرهم الأصلية… كلّها تصطدم بجدار واحد: إرادة برّي في إبقاء الأمور على حالها، بلا إصلاح ولا تغيير.

لقد أصبح مجلس النواب في عهد نبيه برّي أشبه بمؤسسة موسمية تُفتح فقط عند الحاجة، لا سلطةً تمارس دورها الدستوري بشكل دائم. فبدلاً من أن يكون البرلمان مرآةً لإرادة الشعب، تحوّل إلى أداة بيد رئيسه، يستخدمها لتعطيل ما لا يناسبه وفرض ما يخدم مصالحه السياسية والحزبية.

إن تعطيل مجلس النواب ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو ضربٌ في صميم النظام الديمقراطي. فحين تتوقّف السلطة التشريعية عن العمل، تُشلّ سائر السلطات تباعاً. وعندما يتحكّم شخص واحد بمصير المؤسسة التي تمثل الشعب، نكون أمام انحراف خطير في مفهوم الدولة.

نبيه برّي، الذي يُفترض أن يكون حَكماً بين الكتل النيابية، بات لاعباً أساسياً في اللعبة السياسية، يستعمل موقعه كسلاح تفاوض وضغط، لا كمنبر دستوري. هو لا يكتفي بإقفال المجلس، بل يُقفل معه الأمل بأي تغيير فعلي، ويمنع لبنان من التقاط أنفاسه في كل مرحلة مصيرية.

اليوم، وبعد كل ما شهدناه من انهيارات، لم يعد مقبولاً أن يبقى مجلس النواب رهينة شخص، ولا أن يُختزل النظام النيابي بإرادة رئيسه. فالمؤسسات لا تُبنى على أشخاص، بل على قواعد دستورية ثابتة. وإحياء الدولة يبدأ من فتح أبواب المجلس النيابي أمام التشريع وأمام إرادة الغالبية النيابية، لا من إقفالها باسم "إقصاء طائفة"، وهو الذي أقصى أكثرية الشعب اللبناني عبر التغاضي عن عريضة موقّعة من 67 نائباً تطالبه بإدراج بعض التعديلات على قانون الإنتخاب الحالي.

باختصار، لا قيامَ للدولة، ولا أملَ بالإنقاذ، طالما برّي ما زال ممسكًا بمفاتيح البرلمان، يفتحه ويغلقه وفق مصالحه وحساباته. وهنا بيتُ القصيد: فبرّي يُدرك أن لحظة الحقيقة آتية، وأن الكأس المُرّة التي يتجنّبها منذ عقود، لا بدّ أن يتجرّعها عاجلاً أم آجلاً... لبنان يستحق أن يُفتح له بابُ الأمل لا أن يُقفل عليه بابُ المجلس... والسلام


رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"