طارق أبو زينب

"الإخوان" يحاولون إعادة التموضع في سوريا بدعم إيراني

4 دقائق للقراءة
راسل عبد الحق، خامنئي، للتعبير عن تضامن "الإخوان" الكامل مع إيران

أعلنت جماعة "الإخوان المسلمين" في سوريا أخيرًا، وثيقة جديدة بعنوان "العيش المشترك"، تقدّم تصوّرًا تنظيميًا لإدارة التعدّدية الدينية والسياسية والاجتماعيّة في سوريا المستقبل. جاءت الوثيقة بلغة مدنيّة واضحة، خالية من الهجوم المباشر، لكنها حملت رسائل سياسية دقيقة تدعو إلى الانتقال من منطق الانقسامات والاصطفافات إلى منطق المؤسّسات والقوانين، مع اعتماد التعاقد والاحتكام للنظام القانوني بدل الهيمنة والانتماءات الضيّقة. وشدّدت على تنظيم العلاقة بين الدولة ومكوّناتها عبر مؤسّسات دستورية وقانونية، في إطار المواطنة الكاملة ورفض الإقصاء.

جاء صدور الوثيقة في وقت تشهد فيه المنطقة جدلًا واسعًا حول مستقبل جماعة "الإخوان المسلمين" ومكانتها، خصوصًا في ظلّ الدعوات المتكرّرة لحظر نشاطها في سوريا وتقييد وجودها في كلّ من الأردن ومصر. ويُنظر إلى توقيت إصدار الوثيقة باعتباره محاولة للردّ، بشكل غير مباشر، على الانتقادات الموجّهة إلى الجماعة عقب رسالة القائم بأعمال المرشد العام، الدكتور صلاح عبد الحق، إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، التي أعلنت تضامن الجماعة الكامل مع إيران. وقد فسّرت الرسالة على نطاق واسع بوصفها مبايعة سياسية ودينية لطهران، ما أثار تساؤلات حول توجّهات الجماعة وخياراتها الإقليمية الجديدة.

في تطوّر سياسي لافت، كشفت مصادر سورية رفيعة المستوى، مقرّبة من دوائر صنع القرار في دمشق، لصحيفة "نداء الوطن"، أن إطلاق الجماعة وثيقتها جاء بتوجيه مباشر من إيران، في محاولة لإعادة التموضع السياسي بعد سقوط النظام السوري السابق. وأوضحت المصادر أن الوثيقة تُقدّم في ظاهرها كخطوة معتدلة تُروّج للديمقراطية والتعدّدية، غير أنها في جوهرها أداة لإعادة الشرعية المفقودة للجماعة وضمان استمرار النفوذ الإيراني في المشهد السوري، خصوصًا بعد تراجع تأثير طهران الإقليمي. وتعكس هذه التحرّكات حجم التوجيه الإيراني المباشر لطموحات الجماعة، في ظلّ العلاقة المتنامية بين التنظيم الدولي للإخوان وطهران.

وأضافت المصادر أن الجماعة لم تعد تمتلك قاعدة شعبيّة حقيقية داخل سوريا، وأن بنيتها التنظيمية باتت شبه معدومة، إذ يقتصر وجودها على نشاطات سياسية وإعلامية تُدار من الخارج، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بإخوان لبنان ومكتب التنظيم الدولي في لندن. كما شدّدت على أن الحكومة السورية لا تربطها أي علاقة سياسية أو تنسيقية مع الجماعة في لبنان أو في أي من دول المنطقة. على الصعيد الرمزيّ، تراجع حضور الجماعة بشكل ملحوظ في الوعي العام السوري، بعدما أصبح خطابها الأيديولوجي موضع شكّ وريبة إثر عقود من التجارب المريرة، فيما تظلّ إيران المحرّك الأساسي لمحاولاتها المستمرّة للعودة إلى المشهد.

وقال الباحث في العلاقات الدولية الدكتور مهند حافظ أوغلو لصحيفة "نداء الوطن" إن الجماعة تحاول جعل وثيقتها طوق نجاة بعد انحسار دورها في معظم الدول العربية، ساعية لإعادة بناء قوّتها من الساحة السورية بعد فشلها في تحقيق ذلك في مصر بسبب استقرار النظام الحاكم. وأضاف أن ما تسمّيه الجماعة "سوريا الجديدة" يمثل في نظرها فرصة للعودة إلى المشهد السياسي، غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع دولة مدنية تسير بخطى ثابتة في ملفات الأمن والاستقرار، وتفتقر الجماعة لأي دعم داخلي حقيقي أو قبول شعبي، ما يجعل الوثيقة أقرب إلى مناورة سياسية لإبقاء اسمها في دائرة النقاش العام.

وختم أوغلو بالقول إن السوريين، الذين عانوا من تجارب الثمانينات وما تلاها من آثار سياسية ونفسية، يتطلّعون إلى دولة مستقرّة ومزدهرة اقتصاديًا، معتبرًا أن عودة الجماعة أو أي حركات أيديولوجية مشابهة ستضعف الدولة وتحرم البلاد من تحقيق أهدافها الوطنية. ومع تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، تبدو جماعة الإخوان في سوريا اليوم أقلّ قوّة وأكثر اعتمادًا على الخارج، فيما يواصل السوريون والساحة السياسية المحلّية البحث عن الاستقرار والحياة المدنية بعيدًا من المناورات الأيديولوجية.

الوثيقة الجديدة، مهما بدت معتدلة، تعكس حقيقة أن الطموحات السياسية للجماعة تواجه واقعًا داخليًا هشًا لا يضمن لها أي تأثير فعلي على الأرض. يبقى الواقع السوري واضحًا: قوّة الجماعة محدودة، وطموحاتها السياسية تصطدم بالواقع الداخلي، بينما يبقى البحث عن الاستقرار المدني والسياسي الهدف الأساسي للسوريين، ما يجعل أي محاولة لإعادة إنتاج الإسلام السياسي في سوريا أمرًا شبه مستحيل على المدى القريب.