جويل غسطين

مئة مقالة لروبير فرنجية

"بالفن خود شمالك" كتاب تحيّة لنجوم الشمال

6 دقائق للقراءة

عنوان لافت يطلّ من خلاله الإعلاميّ "الشمالي" روبير فرنجية في كتابه الجديد: "بالفن خود شمالك"، الصادر عن "مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية". مئة مقالة عن وجوهٍ فنيّة وثقافية وإعلامية من مختلف مناطق شمال لبنان وعكّار، تجمع بين التوثيق الصحافيّ العِلميّ ونَفَس فرنجية الإنسانيّ، فتلتقي الجغرافيا والهوّية في كتاب تنبض لغته حبًّا للفن وناسه.


فكرة كتاب "بالفن خود شمالك" لم تكن وليدة لحظةٍ عابرة، بل ثمرة سنواتٍ طويلة من العمل الإعلاميّ المتواصل بين مجلّة "الشبكة" وإذاعة "صوت الغد" وجريدة "الأنوار"، حيث راكم الكاتب الصحافيّ والإعلاميّ روبير فرنجية تجربةً ممتدّة على مدى أكثر من ثلاثة عقود. خلال مسيرته، لاحظ في خلال مقابلاته مع أهل الفن والقلم والإعلام أن كثيرين من بينهم يتحدّرون من محافظة الشمال، رغم أن معظمهم غادروا مناطقهم ليستقرّوا في بيروت، عاصمة الفن والإبداع. هذا الاكتشاف المتكرّر شكّل لدى فرنجية الدّافع الأساس وراء جمع تلك الأسماء في مؤلَّفٍ واحد يكرّم جذورهم ويعيد وصل الحاضر بتاريخٍ فنيّ مشرّف انطلق من الشمال.


لماذا فنانو الشمال؟

خيار روبير فرنجية تكريس إصداره الجديد لفنانين من شمال لبنان ليس صدفة. فهو ابن تلك الأرض، ويؤمن أن "اللّكنة الشماليّة" التي ظُن يومًا أنها عائق أمام الشهرة، كانت في الحقيقة بصمة تميّز. يقول بثقة: "ثمّة نظريّة تقول إن اللهجة منعت أبناء الشمال من دخول عالم الفن، لكن النجوم أثبتوا عكس ذلك". ويذكّر فرنجية في حديثه مع "نداء الوطن" بأن المسارح هناك هي الأقدم والأعرق، وقد شكّلت منابر مبكّرة للإبداع اللّبناني.


العنوان لعبة وصرخة 

عنوان الكتاب: "بالفن خود شمالك"، يحمل لمسة لغويّة ذكيّة استوحاها روبير فرنجية من العبارة الشعبيّة اللبنانيّة "خود المسلك الفلاني" التي تقال لاختيار الطريق الأسلم حين يعجز السائق عن إيجاد الطريق المرجوّ. غير أن فرنجية حوّل المعنى من الإرشاد المكانيّ إلى دعوة فنيّة وثقافيّة، تحث القارئ على الاتجاه نحو "المسلك الشمالي" لاكتشاف ما قدّمته هذه المنطقة من أصحاب مواهب وإبداعات أغنوا الفن اللبناني الأصيل. هكذا يتحوّل العنوان من مجرّد عبارة جذابة، إلى رمز لمسارٍ فنيّ يقود إلى قلب الشمال حيث تنبض الجذور وتولد الأضواء.


مئة اسم وحكاية

يحتضن الكتاب بين صفحاته "مئة مقالة تنبض بحكايات مئة فنان، تتنوّع وجوههم كما تتنوّع تضاريس الشمال. بين مطربين ومخرجين وكتاب وإعلاميين، تمتدّ الخيوط من طرابلس إلى الكورة، ومن البترون إلى زغرتا وبشرّي، لتنسج لوحةً فنيّة تشبه تضاريس المنطقة نفسها، غنية بالتنوّع ودفء الإبداع".

يقول فرنجية إن الأسماء هي التي قصدته لا العكس، ورغم رغبته في توسيع الدائرة آثر أن يكتفي بمئة نجمٍ في هذا الإصدار، واعدًا القارئ بجزءٍ ثانٍ يضمّ أسماء لامعة أخرى.

في صفحات الكتاب، يلتقي عبق الزمن الجميل بوهج الحاضر؛ فهناك الفنانان محمد جمال وسلوى القطريب، وهناك أيضًا الوجوه الشابة التي ما زالت تنثر أضواءها على المسارح والشاشات. كما يفتح الكتاب نوافذ على عوائل الفن الشمالية الأصل، مثل البندلي ونعمة، ويكرّم نقباء الفن في الشمال الذين حرسوا ذاكرة الفن بأصواتهم وإبداعاتهم.


بين الجغرافيا والإبداع

صحيح أن الهوية الشمالية لم تكن وحدها طريق النجاح، لكنها أضفت على مسيرة أولئك الفنانين طبقة من التحدّي والجمال. فالبُعد عن العاصمة، مركز الضوء والفرص، جعل رحلة العديد من المبدعين الشماليّين أكثر صعوبة ومشقة. تجلّت هذه المعاناة في قصص عديدة، منها قصة الممثل الرّاحل عبدالله حمصي (أسعد) الذي لم يمتلك منزلًا في بيروت، فكان يقطع المسافات يوميًا بين تلّة الخياط في بيروت، حيث مبنى التلفزيون، وطرابلس حيث يقيم، ويصرف نصف ما يجنيه من التمثيل على المواصلات، ليظلّ قريبًا من حلمه الفني.

خلافًا لحمصي، اضطرّ معظم فناني الشمال إلى ترك قراهم والاستقرار في بيروت بحثًا عن مساحة أوسع لإبداعهم. من بينهم الإعلاميّ جاك واكيم، ومقدّمة البرامج والممثلة مادلين طبر قبل استقرارها لاحقًا في مصر، وغيرهما ممّن غادروا بلداتهم ومدنهم المطلّة على البحر والجبل، لكن جذورهم بقيت هناك، ثابتة في تراب الشمال تغذي مسيرتهم وتمنحها نكهتها الخاصّة.


تكريم الهوّية

لم يسعَ فرنجية إلى تصحيح صورة مغلوطة بقدر ما أراد الاعتراف بالجميل لأبناء منطقته، فيقول: "الأسماء التي ذكرتها ليست محجوبة عن الشهرة، بل هي التي أضافت قيمة إلى الكتاب لا العكس". ويشير إلى أن البعض لا يعرفون أن فنانات مثل سهام رفقي ونور الهدى وسلوى القطريب هن في الأصل من الشمال.

في مقالاته، يزاوج فرنجية بين الأسلوب الأدبيّ والتوثيق الصحافيّ، فيخلط المعلومات الدقيقة مع ملامح وجدانية ولمحات من صداقاته مع النجوم. فالكتاب ليس مجرّد أرشيف، بل هو نصوص تُقرأ بالمشاعر والقلب قبل العين والعقل.

من بين الشخصيات التي تركت أثرًا خاصًا في مسيرته، يبرز الكاتب شكري أنيس فاخوري الذي وضع مقدّمة الكتاب، والمخرج التلفزيوني جان فيّاض الذي أسر فرنجية بإبداعه رغم عدم لقائه به شخصيًا، إذ ظلّ حاضرًا في ذاكرته من خلال أعماله الدرامية وزوجته الإعلامية جان دارك أبو زيد.


ردّات الفعل

أجمل ردّات الفعل والانطباعات على الكتاب جاءته في اتصالٍ تلقاه من الدكتور سابا زريق، صاحب "مؤسسة شاعر الفيحاء الثقافية" التي تولّت طباعة المؤلَّف الجديد من دون مقابل، إيمانًا منها بأن للكلمة المطبوعة قداسةً لا تُقاس بالثمن. يومها أبلغت نادين نجّار من المكتب الثقافي في المؤسسة، فرنجية، بخبر صدور الكتاب، لتليَ اتصالَها مكالمة من زريق نفسه، أعرب فيها عن إعجابه بكتابٍ وصفه بـ "المختلف والمميّز في مضمونه"، إذ يمثل أول إصدار فنيّ خالص في سِجلّ المؤسسة.


حفل توقيع مميّز

التحضيرات لإطلاق "بالفن خود شمالك"، تشمل التحضير لحفلَي توقيع: الأول في "كازينو لبنان"، والثاني في محافظة الشمال، وسيتضمّنان فقراتٍ فنّية وثقافية وكلماتٍ مؤثرة، بحضور شخصيّاتٍ فنية وإعلاميّة وعائلات النجوم الراحلين الذين يتناولهم الكتاب. 

أمّا المشاريع المقبلة لفرنجية، فتتضمّن جزءًا ثانيًا من الكتاب قيد التحضير، على أن يضمّ أسماء جديدة من مختلف الأقضية الشمالية، مثل وليد توفيق، مروان العبد، ميرنا خياط، وسام فارس، بيار داغر، وجو ومارك قديح وغيرهم.

بذلك لا يكون الإعلامي روبير فرنجية قد وضع مجرّد كتاب فنيّ، بل نسج سجلًّا وجدانيًا لذاكرة الشمال، التقط فيه نبض الناس وأصوات الأمكنة، وحوّل الجغرافيا إلى قصيدة تتغنى بالحجر والشجر والبشر. "بالفن خود شمالك" ليس أرشيفًا للأسماء بقدر ما هو رحلة تقديرٍ للجذور، ومرآة تعكس وجه لبنان كما يُرى من أعالي الشمال: صافيًا، حقيقيًّا، ومفعمًا بالإبداع.



إهداء الكتاب

الإعلامي روبير فرنجية

غلاف الكتاب