المحامي جيمي فرنسيس

الحرب المقبلة، حجّتها، شكلها، توقيتها، مدّتها

5 دقائق للقراءة

بعد وقف إطلاق النار في غزة وتحرير الرهائن، عاد التوتر إلى المنطقة من بوابة التهديدات المتبادلة بين إسرائيل و”حزب الله”. ففي الوقت الذي تواصل فيه تل أبيب إطلاق الرسائل الإعلامية والعسكرية عبر مناورات مكثفة على الحدود الشمالية، يكتفي الحزب بخطاب إعلامي تصعيدي دون ترجمة ميدانية واضحة، ما يعكس حذراً مدروساً في قراءة المرحلة المقبلة.

يدرك الحزب أن إسرائيل تتحضّر فعلياً لجولة جديدة من الحرب، وأن مناوراتها العسكرية الحيّة تختلف جذرياً عن المناورات الإعلامية وهي مؤشر لجدية ما يحضر كونها لا تتساهل أبداً بكل ما يؤثر على معنويات الجيش الإسرائيلي.

كما يدرك الحزب أن صمته أمام الخروقات الإسرائيلية المتكررة لم يعد مقبولاً لدى بيئته الحاضنة التي بدأت تُظهر امتعاضاً من سياسة الانتظار، ما يضعه أمام معادلة معقدة، "الحرب قادمة" سواء قرر التصعيد أم لم يفعل، لذلك تسجيل نقطة في هدف إسرائيل قد يرفع معنويات مقاتليه انطلاقاً من قناعته بأنها اتخذت قرارها بإنهاء حالته أو على الأقل تحجيمه جذرياً. غير أن السؤال يبقى حول نوع هذا التصعيد وشكله، إذ تشير التقديرات إلى أن الحزب قد يلجأ إلى عملية مفاجئة وسريعة وموجعة، قد تعيد إلى ذهن الإسرائيلي حدث “طوفان الأقصى”.

ورغم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، ما زال الحزب يمتلك بعض الأوراق، القادرة على إرباك خصمه، مستفيدًا من شبكات محلية متعاونة ومن مقاتلين فلسطينيين يرفضون التزام الهدنة. وتشير معلومات ميدانية إلى أن إيران رفعت مؤخراً الحظر الذي كانت قد فرضته على استخدام الصواريخ البالستية المخزنة في لبنان، ما يمنح الحزب قدرة ردع إضافية. كما أن إسرائيل، رغم إحكام سيطرتها الجوية، لا تزال تواجه ثغرات واضحة في خاصرتها البرية والبحرية، وهي نقاط ضعف يسعى الحزب لاستثمارها في أي مواجهة مقبلة.

في المقابل، لا يمكن الجزم بطبيعة الحرب المقبلة ولا بتوقيتها. فهل ستكون رداً على هجوم يشنه الحزب، أم حرباً استباقية إسرائيلية هدفها القضاء على التهديد الشمالي؟ الاحتمالات كلها مفتوحة فإسرائيل اعتادت تبرير أي عملية عسكرية بذريعة الردع، وما زالت تستهدف أي تهديد لها، وقد نفذت في السابق ضربات مركزة ضد مراكز قوة الحزب ولن تتردد في تكرارها.

من أخطر الاستهدافات التي طالت الحزب، إغتيال قياداته العسكرية، ولكن ما الذي يضمن أن لا يتوسع نطاق هذه الأهداف ليطال قيادات عسكرية جديدة، أم غير عسكرية؟! من داخل الحزب أم من خارجه؟! في محاولة لكسر ما يسميه الإسرائيلي “البنية التحتية للمقاومة الاجتماعية”.

كما تبرز مخاوف متزايدة من أن تكون نية إسرائيل التوجه نحو اجتياح بري محدود في الجنوب أو في بعض مناطق البقاع، بهدف تنفيذ تهديداتها القديمة بتهجير عدد من القرى الشيعية وإحداث تغيير ديموغرافي يكرّس مفهوم “المنطقة الآمنة” شمال الحدود. هذه الاستراتيجية، إن صحت، تعني أن الحرب المقبلة لن تكون فقط مواجهة عسكرية، بل أيضاً معركة تهجير وتغيير جغرافي على نطاق أوسع.

إلى جانب الحرب العسكرية، تستمر الحرب الاقتصادية والمالية بوتيرة متصاعدة، إذ تعمل إسرائيل وبمباركة بعض الدوائر الغربية على تجفيف مصادر تمويل الحزب، سواء عبر استهداف مراكز “القرض الحسن” سابقاً أو عبر ضرب مواقع لوجستية مثل مرقاب الجرافات في المصيلح مؤخراً. الهدف الأساسي شلّ قدرة الحزب على التمويل الذاتي، وإضعاف بيئته اقتصادياً واجتماعياً.

ولا يمكن فصل أي حرب محتملة عن البعد الإقليمي والدولي. فخيار توجيه ضربة مباشرة إلى إيران يبقى حاضراً على طاولة القرار الإسرائيلي، لكنه مشروط بمدى موافقة الولايات المتحدة واستعدادها لتحمّل تبعات مواجهة بهذا الحجم فالعلاقة بين طهران و”حزب الله” تجعل من أي تصعيد في لبنان جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في الشرق الأوسط، لا مجرد معركة حدودية.

أما من حيث التوقيت، فتشير تقارير إلى أن إسرائيل تواجه حرجاً دبلوماسياً بسبب زيارة البابا ليون الرابع عشر المرتقبة إلى لبنان في نهاية تشرين الثاني وبداية كانون الأول المقبلين، ما قد يفرض عليها وقف الأعمال العسكرية قبل أسبوع من الزيارة لأنه وبحسب خبراء عسكريين، إما تحقق أهدافها في مهلة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع كحد أقصى أو ستكون أمام تأجيل أي عملية كبيرة إلى ما بعد الزيارة وأمام حرب استنزاف لا سقفاً زمنياً لها. هذا العامل الزمني قد يكون كافياً لفهم مدة أي حرب قد تشتعل قبل الزيارة أو سبب تأجيل المواجهة لكنه لن يغيّر من حتميتها في المدى المتوسط.

في المحصلة، تبدو الضغوط الأميركية والإسرائيلية على لبنان في ذروتها، خصوصاً في ملف حصرية السلاح وشكل التفاوض بين إسرائيل ولبنان. ومع غياب رؤية وطنية موحّدة واستمرار الانقسام الداخلي، يبقى لبنان الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية معقدة. وإذا ما اندلعت الحرب هذه المرة، فقد لا تكون جولة جديدة عابرة، بل الحرب التي ترسم نهاية حقبة كاملة من الصراع العربي الإسرائيلي، وتفتح الباب على شرق أوسط جديد، تحت عنوان من يملك القوة يفرض شكل الدولة وحدودها

فهل سيكمل حزب الله مغامراته بالشيعة واللبنانيين ولبنان؟ ألم يحن وقت استسلامه.