في 8 تشرين الأول الجاري زرع طليع حمدان (1944 - 2025) أرزة على اسمه في "محميّة أرز الباروك" بعد حفل تكريميّ أقيم في "مكتبة بعقلين الوطنيّة". وبصوته الجهوريّ الذي حفظته منابر الزجل، غنى أمام "أرزته" الوليدة: "ما دام زرعنا الأرزة خلّينا نفلّ".
بالفعل، لم يطل به المقام بعد ذلك في بلدته عين عنوب (قضاء عاليه)... "فلّ" عصر أمس الأول السبت، فودّعه الجبل والزجل والقوافي ولبنان بعد ظهر أمس الأحد في مأتم مهيب حضره حشد كبير من الأهل والأصدقاء والمريدين، وشخصيّات سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة وشعراء غصّ بهم جميعًا "بيت عين عنوب" وساحاته والطرق المؤدّية إليه. وأجمع ناعوه الذين تحدّثوا في وداعه أو الذين رثوه بقصائد وبيانات أو تدوينات في مواقع التواصل، على مكانة "شاعر المنبرَين" في عالم الكلمة والقصيدة و "القول".
ومع غياب الشاعر طليع حمدان، ينطوي فصل من فن الزجل اللبناني الذي كان حمدان فارسًا من فرسانه أيام كان للزجل حضور وموقع في ليالي السمر والكيف وسهرات اللبنانيين.
الخامس بين أحد عشر ولدًا (ستة صبيان وخمس بنات) نشأ والشعر يحيط به. حينها كانت "الضيعة بألف خير" وكان الشعر والغناء يلازمان أهل القرى في أفراحهم وأتراحهم، قصائد ومواويل وأزجالًا وندبًا. وكان طليع الفتى يسمع ويراقب ويشعر أن ثمّة ما يعتمل في الروح من مثل ما يَسمع، بانتظار الفرصة ليُسمِع.
في مقتبل العمر، غنى الزجل في حضرة أحد روّاده زين شعيب. ثمّ تدحرجت كرة الموهبة فلفت الشاب الشاعر انتباه المحترفين أمثال إميل رزق اللّه وعلي الحاج. بعدها، انضمّ مع إدوار حرب إلى جوقة زغلول الدامور وزين شعيب، بعدما كان غادرها الشاعران أسعد سعيد وجان رعد.
لاحقًا، أسّس طليع حمدان جوقته الخاصة التي حملت اسم "جوقة الربيع". وهو القائل: "أنا شاعر الربيع والزهور والنسيم"، و "ما حدا بكّى العالم أكتر من طليع". و "البكاء شعرًا" كان فنًا و "طقسًا اجتماعيًّا" يوم كان للموت وقعٌ وللفقد قيمة.
في قصائده، غنى طليع حمدان الحبّ والعاطفة، وأنشد الفروسيّة والبطولات، وقرّظ أهل السياسة والمجتمع... ولم يسلم من شِعره أخصام فريقه السياسي زمن الـ "تنذكر وما تنعاد". لكن انقسامات الحرب اللبنانيّة لم تحل بينه وبين زملائه الشعراء، سواء من سبقوه أو من جايلوه أو من لحقوه، من مختلف الطوائف والمذاهب والمناطق. وبقي حتى الرمق الأخير على ودّ وتواصل مع كثيرين. في أيلول الماضي مثلًا، شارك الشاعرَين حبيب بو أنطون وفيكتور ميرزا في أمسية دعا إليها رجل الأعمال خلف الحبتور، وقبلها بأيام زار حمدان زميله الشاعر جريس البستاني في دارته في المشرف. ولم تخلُ مقابلة معه من الثناء على الأيّام التي أمضاها بصحبة زين شعيب وزغلول الدامور وإدوار حرب وموسى زغيب وآخرين. حتى سعيد عقل الذي أنكر معرفته بحمدان بعدما كان أشاد الأول بشعر الثاني سابقًا، لم يقل فيه حمدان إلّا الكلمة الطيبة رغم العتب الشعري في أبيات:
"مش سامع بإسمي الكبير كتير
يلي شهدت إلو العالم أكتر ما شهدتلك
ووقت تسمع العصافير شعرك
بتصير يابسة متلك".
إلى ما ترك طليع حمدان في تسجيلات الإذاعة والتلفزيون والمباريات والحفلات الزجليّة، ترك أيضًا دواوين مطبوعة، منها: "براعم ورد"، "جداول عطر"، "ليل وقمر"، "حياتي قصيدة"، "انطريني أنا جايي"، و "افتتاحيات طليع حمدان".
أما اللقب الذي رافقه سنوات "شاعر المنبرَين"، فروى قصّته ذات مقابلة أخيرة مع "نداء الوطن" (17-02-2024)، فقال: "تباريت مع جريس البستاني فقلت: مع احترامي لشعر موسى وشعر زين وشعر زغلول الإسمو شمخ، بعد بتجي أيام على الفرقتَين وبدّكم تشوفوني أمير المنبرَين. قلت ذلك، فلُقبت أمير المنبرَين. لكن، الأحبّ على قلبي: طليع".
يرحل طليع حمدان ويبقى ما تركه للزجل حيًّا في تراثنا، فهو واحد من شعرائنا الذين بفضلهم أدرجت منظمة "اليونسكو" الزجل اللبناني على "قائمة التراث الثقافي غير الماديّ" عام 2014.
* تقبل التعازي بالشاعر الراحل طليع حمدان اليوم الاثنين وغدًا الثلثاء في 27 و 28 ت1 2025 من الساعة 4:00 عصرًا إلى 7:00 مساءً في "بيت عين عنوب"، ويوم الأربعاء 29 الجاري من الساعة 2:00 بعد الظهر إلى 6:00 مساءً في "دار الطائفة الدرزيّة" - بيروت. وباقي أيام الأسبوع في منزل الفقيد - عين عنوب.