بعد اتفاق غزة وتصريحات توم برّاك، يبدو أن لبنان يقف مرة أخرى عند مفترق طرق لم يختره. فالاتفاق لم يُنهِ الصراع في غزة، ولم يُجب عن الأسئلة الكبرى حول مستقبل الفلسطينيين أو الأمن الإقليمي، لكنه قدّم طريقة جديدة لإدارة الأزمة بدل حلّها. من الواضح أن المقاربة الأميركية - الإسرائيلية باتت تقوم على تنظيم النار لا إطفائها، وعلى تجميد المعارك بدل إنهائها، بانتظار لحظة سياسية أكثر ملاءمة لفرض الحلول.
توم برّاك تحدّث بلغة موسيقية عن "سيمفونية شرق أوسطية جديدة" تبدأ من غزة وتمتدّ إلى دمشق وبيروت. خلف هذا الوصف الرومانسي تختبئ رؤية واضحة: إسرائيل تريد أن تُنهي خطر الجبهات المحيطة بها، واحدة تلو الأخرى. لبنان، مثل سوريا، ليس خارج اللعبة، بل هو جزء من "المرحلة الثانية" لما بعد غزة، حيث يجري رسم خريطة النفوذ الجديدة من دون العودة إلى طاولة المفاوضات التقليدية.
اليوم، يعيش لبنان حالة "انتظار مرهق": لا حرب شاملة تُحسم فيها الأمور، ولا سلام حقيقي يُطمئن الناس. الجنوب يشتعل تحت الرماد، والطائرات المسيّرة لا تغيب عن سمائه، فيما المناورات الإسرائيلية المتكرّرة ترسم ملامح مرحلة ميدانية جديدة. كلّ ذلك يجري في ظلّ دولة غائبة وطبقة سياسية عاجزة عن أي مبادرة أو قرار. أما "حزب اللّه"، فيواصل إدارة الميدان بما يتماشى مع أولويات إقليمية أكثر ممّا يعكس مصلحة لبنانية خالصة. والتذكير هنا أكثر من ضروري، لأن الحالة التي وصلنا إليها هي نتيجة مغامرة "الإسناد" والاستمرار في التعنت خدمة للراعي الإقليمي.
برّاك، في حديثه، لم يُخفِ أن واشنطن ترى لبنان وسوريا كجزء من ترتيب إقليمي جديد، لا كملفين منفصلين. الهدف ليس الوصول إلى اتفاق سلام كلاسيكي، بل إلى "هدوء يمكن التحكّم به". والأخطر أنه اعتبر أن اتفاق وقف إطلاق النار غير المعلن بين لبنان وإسرائيل، الذي ساد بعد حرب "الإسناد" في الجنوب في تشرين الأول 2023، انتهى فعليًا. بمعنى آخر، الحدود الجنوبية لم تعد محكومة بتفاهم ثابت، بل بتوازنات يوميّة قابلة للاهتزاز في أي لحظة.
انتهاء هذا الاتفاق لا يعني بالضرورة أن الحرب غدًا، لكنه يفتح الباب أمام مرحلة هشة ومرنة في آنٍ واحد. مرحلة قد تتسع فيها رقعة الاشتباكات المحدودة، أو تُضبط موقتًا وفق إيقاع الضغوط الأميركية والإسرائيلية. فإسرائيل اليوم تدير الصراع على طريقتها: ضربات مدروسة، رسائل نارية، وتفاوض غير مباشر، بينما يبقى لبنان عالقًا بين التصعيد والحذر، دون رؤية وطنية تحميه.
أمام هذا المشهد، تتضح ثلاثة سيناريوات:
الأول، الانخراط في مسار تفاوضيّ جديد برعاية أميركية – دولية لترتيب الحدود وضبط سلاح "حزب اللّه". سيناريو يبدو واعدًا بالاستقرار، لكنه محفوف بالمخاطر، لأنه يضع لبنان أمام معادلة صعبة بين السيادة والواقعية.
الثاني، استمرار الوضع القائم مع تصعيد محدود، أي لعبة الأعصاب التي تستنزف الجميع دون أن تغيّر شيئًا، وهو الاحتمال الأقرب لما يعيشه لبنان اليوم.
الثالث، الانزلاق إلى مواجهة واسعة إذا انفجرت جبهة أخرى في المنطقة أو انهار ميزان الردع القائم، وهو احتمال أقلّ ترجيحًا لكنه يبقى حاضرًا في ذهن الجميع.
ما بعد غزة ليس مجرّد مرحلة سياسية، بل بداية لحقبة جديدة في إدارة الصراع في الشرق الأوسط. ولبنان، سواء أراد أم لا، أصبح جزءًا منها. فالاتفاق لم يكتب نهايات، بل رسم ممرّات جديدة تُدار من الخارج وتُفرض على الداخل.
الفرصة الوحيدة أمام لبنان تكمن في أن يخرج من موقع المتفرّج، وأن يحاول كتابة دوره بدل أن يُكتب عنه. قد لا يملك ترف القرار الكامل، لكنه يملك القدرة على تحديد الحدّ الأدنى من الثوابت الوطنية: ألّا يُستخدم كأداة، وألّا يُختصر قراره في بيان أو محور. لأن ما يُرسم اليوم في الجنوب ليس مجرّد ترتيبات أمنية، بل ملامح مستقبل وطن بأكمله.