أنطونيو رزق

الجهاديون الأجانب يعيقون بناء "سوريا الجديدة"

6 دقائق للقراءة
ليس سهلًا على دمشق الدخول في مواجهة مع المجموعات الجهادية الأجنبية (رويترز)

سلّطت الاشتباكات بين قوات دمشق والجهاديين الفرنسيين التي شهدتها منطقة حارم في إدلب الأسبوع الماضي، الضوء مجدّدًا على معضلة الجهاديين الأجانب التي تعيق مساعي الرئيس أحمد الشرع لتثبيت دعائم حكمه وإعادة توحيد سوريا وفك عزلتها السياسية والاقتصادية والتوصّل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل. صحيح أنه لا يُمكن الاستناد إلى المواجهة المذكورة، التي انتهت بظرف 24 ساعة باتفاق، لاعتبار أن دمشق قرّرت حسم ملف الجهاديين الأجانب، لكن تفاصيل هذه الواقعة كشفت حجم التحدّيات التي تعتري عملية إنهاء وجود هذه المجموعات في حال اتُخذ قرار بذلك مستقبلًا. فهذه عملية سيضطرّ حكام دمشق إلى تنفيذها إذا أرادوا تحقيق رؤيتهم المعلنة لـ "سوريا الجديدة".

حاصرت قوات دمشق مخيّم الغرباء في إدلب، مطالبة بتسليم قائد الجهاديين الفرنسيين المنضوين في مجموعة عسكرية معروفة باسم "فرقة الغرباء"، الفرنسي السنغالي عمر ديابي الملقب بـ "عمر أومسن"، الذي حوّل المخيّم عمليًا إلى إمارة خاصة به، إلّا أنه رفض الانصياع وسارع إلى اتهام دمشق بشن حملة على الجهاديين الأجانب بشكل عام بناء على طلب المجتمع الدولي. أثارت تلك التوترات بطبيعة الحال مخاوف لدى المجموعات الجهادية الأجنبية الأخرى، التي تحرّكت فورًا وأكدت دعمها للجهاديين الفرنسيين، الأمر الذي ساهم في جعل قوات دمشق تتراجع عن دخول المخيّم، ثمّ أدّت تلك المجموعات دور الوسيط للتوصّل إلى الاتفاق الذي أنهى المواجهة.

ليس سهلًا على الجيش السوري، الذي لا يزال في طور التشكيل، الدخول في مواجهة مفتوحة مع المجموعات الجهادية الأجنبية التي تتكوّن من آلاف المقاتلين العقائديين أصحاب الخبرة القتالية، خصوصًا إذا توحّدت عند مواجهة إحداها كما حصل في حالة الجهاديين الفرنسيين، الأمر الذي من المرجّح أن يتكرّر مستقبلًا، إذ إن لتلك المجموعات، رغم خلافاتها الأيديولوجية والولائية، مصلحة مشتركة حاليًا في توحيد قواها في مواجهة أي محاولة لاستئصال إحداها، لأن ذلك سيعبّد الطريق أمام الاقتصاص منها كلّها على مراحل.

بالإضافة إلى ذلك، للجهاديين الأجانب ودائع في مناصب قيادية في الجيش السوري الجديد، وقد لعب هؤلاء دورًا رئيسيًا في جهود الوساطة لإنهاء الاشتباكات في إدلب، ومن المرجّح أن يستمرّوا في الدفاع عن مصالح الجهاديين الأجانب طالما بقوا في مناصبهم التي تولوها بناء على علاقاتهم بالشرع وولائهم له خلال الحرب الأهلية. وهنا يُطرح سؤال حول نية الشرع في استئصال تلك المجموعات أساسًا، حتى ولو كان يملك قدرة القيام بذلك، خصوصًا أنه كان يتغنى سابقًا بتشكيل الجهاديين الأجانب حصة كبيرة من مقاتلي "هيئة تحرير الشام"، فيما تعهّد بعد سقوط الأسد بأن الجهاديين الأجانب الذين دعموا "الثورة" سيُكافأون وقد يُمنحون الجنسية.

كما أن مستشار الشرع الإعلامي أحمد موفق زيدان، الذي دافع مرارًا عن وجود تلك المجموعات في البلاد وضمّها إلى الجيش السوري تحت ذريعة عدم انضمامها إلى تنظيمات إرهابية، شدّد على أن أحداث إدلب ليست مرتبطة بكون الطرف الآخر مكوّن من جهاديين أجانب، معتبرًا أن سبب المواجهة يتمثل بخرق الجهاديين الفرنسيين في المخيّم القانون لا أكثر. رغم أن أحداث إدلب بيّنت قصورًا ضخمًا في النية والقدرة على التعامل مع ملف الجهاديين الأجانب، يضع الواقع السياسي الداخلي والخارجي دمشق أمام خيارَين: إمّا حسم هذا الملف، وإمّا عدم القيام بذلك على حساب رؤية الشرع المعلنة لمستقبل البلاد المتمثلة بدولة واحدة ذات جيش واحد تعيش بسلام مع جيرانها وتنعم بازدهار اقتصادي.

على المستوى الداخلي، يشكّل الجهاديون الأجانب عائقًا رئيسيًا أمام اندماج "قسد" والمجموعات المسلّحة في السويداء في الجيش السوري، خصوصًا بعد مشاركة هؤلاء الفاعلة في المجازر الطائفية التي أدمت الساحل والسويداء، في وقت ظهر فيه بعضهم في صور وهم يرتدون رموز وشعارات تنظيم "داعش" الإرهابي. كما أن الجهاديين الأجانب لا يعترفون بهوية وطنية ويعتبرون غير المسلمين السنة كفارًا، ما يعدم أي إمكانية دمج عناصر سورية غير مسلمة سنية معهم في الجيش. ورغم تعويل الشرع عليهم قبل سقوط الأسد وبعده، إلّا أنهم يشكّلون على المدى المتوسط والبعيد عبئًا كبيرًا على نظامه وعلى قبضته على الجيش والقوات الأمنية.

أمّا على المستوى الخارجي، فإن ملف الجهاديين الأجانب يثير مخاوف جدّية لدى الدول الغربية والعربية، التي تخشى أن تتخذ تلك المجموعات من سوريا منطلقًا لشن عمليات إرهابية تطولها. هذا ما دفع دول مثل فرنسا وروسيا إلى مطالبة الشرع بتسليم الجهاديين الذين يحملون جنسياتهما، وفق تقارير صحافية. وفي حين دأب نظام الشرع على الضغط من أجل رفع العقوبات الأممية عن سوريا بهدف استقطاب الاستثمارات الخارجية وبدء عملية إعادة إعمار ستكلّف 216 مليار دولار حسب البنك الدولي، تضمّن مشروع قانون الدفاع الذي أقرّه مجلس الشيوخ الأميركي تعديلًا من السيناتور ليندسي غراهام يشترط فيه، لإلغاء "قانون قيصر"، أن يقدّم الرئيس الأميركي شهادة نصف سنوية بأن دمشق تلتزم بعدم شن عمليات عسكرية ضدّ إسرائيل، وتتخذ خطوات لإخراج الجهاديين الأجانب، إلّا أن التعديل لا يزال يحتاج أن يُقرّ من قِبل مجلس النواب والرئيس ليُصبح نافذًا.

رغم المحادثات العديدة التي جرت بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، لم تفض المفاوضات إلى اتفاق أمني حتى الآن، بل تستمرّ إسرائيل في توسيع نشاطاتها وتوغلاتها في الجنوب السوري. يعود التأخير في التوصّل لاتفاق، إلى توجّس إسرائيل من الخلفية الجهادية لحكام دمشق وانعدام قابليتها على التعايش مع تنظيمات معادية لها على حدودها بعد 7 أكتوبر، ويشكّل وجود الجهاديين الأجانب وانضواء الكثير منهم تحت جناح الجيش السوري، سببًا رئيسيًا بتروي تل أبيب في انفتاحها على دمشق.

يصعب على الأقليات في سوريا التعاون مع دمشق لإعادة صياغة عقد اجتماعي جديد يحافظ على خصوصية المكوّنات ويحفظ الاستقرار، طالما أن الجهاديين الأجانب يخدمون في الجيش ويتمتعون بمناصب قيادية ويُبعثون لارتكاب مجازر طائفية من دون محاسبة. كما أن المجتمع الدولي لن يتقبّل استمرار وجود هؤلاء في سوريا، خصوصًا في حال بدأوا يخطّطون أو ينفذون عمليات خارج البلاد، بينما ستستمرّ إسرائيل في صون أمنها بالقوّة حتى يتمكّن الشرع من إثبات قدرته على ضبط قواته عبر خطوات متنوّعة، على رأسها التخلّص من الجهاديين الأجانب.