فهيم تاستيكين

هل تستعدّ تركيا لتحرّك عسكري ضد أكراد سوريا؟

1 كانون الأول 2020

المصدر: Al Monitor

02 : 01

أدى تكثيف النشاطات العسكرية التركية في المنطقة الواقعة بين عين عيسى وتل تمر في شمال سوريا إلى زيادة احتمال إطلاق تحرك عسكري تركي جديد لكبح الأكراد قبل أن يغادر ترامب البيت الأبيض.

انطلقت تعزيزات عسكرية تركية جديدة في منطقة عين عيسى السورية الشمالية في شمال الرقة، في محيط الطريق السريع "إم 4"، ما يزيد احتمال إطلاق تحرك تركي آخر لردع أكراد سوريا.

انتشرت مركبات عسكرية وأسلحة ثقيلة ورادارات ومعدات للمراقبة عن بُعد في مناطق تشكّل صلة وصل مع "قوات سوريا الديموقراطية" التي يقودها الأكراد. وفق المصادر الكردية، أنشأ الجيش التركي والجماعات الثورية المتحالفة معه مراكز عسكرية في قرية صيدا، شمالي عين عيسى، وفي محيط تل تمر وزركان. في بداية شهر تشرين الثاني، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن القوات التركية تمركزت أيضاً في بلدات كفيفة وعين رمانة والتينة وربيعة التي تقع بالقرب من الطريق السريع "إم 4".

صرّح مروان روج آفا، رئيس المكتب الإعلامي لـ"وحدات حماية الشعب" الكردية التي تُعتبر ركيزة الدعم الأساسية لـ"قوات سوريا الديموقراطية"، لموقع "المونيتور" بأن القوات التركية أنشأت برج مراقبة فيه كاميرات وقناصة في صيدا، تلك البلدة المهجورة الواقعة في شمال الطريق السريع "إم 4". ذكر روج آفا أن ذلك الطريق تحوّل فعلياً إلى خط فاصل بين القوات التركية و"قوات سوريا الديموقراطية" بعدما سيطرت تركيا على المساحة الحدودية الممتدة من تل أبيض إلى رأس العين خلال "عملية نبع السلام" في تشرين الأول 2019، وأضاف قائلاً: "أنشأ الجيش التركي قواعد عسكرية وحفر الخنادق على طول المساحة الفاصلة في مناطق تقع على بُعد مئات الأمتار فقط من الطريق السريع".

بعد "عملية نبع السلام"، أصبحت صوامع الحبوب في قرية "شيرجراك" بالقرب من عين عيسى أكبر قاعدة تركية في محيط الطريق السريع "إم 4". تقع منطقة أخرى تنتشر فيها المخيمات بالقرب من بلدة المشيرفة، على مسافة غير بعيدة من تل تمر. عمدت تركيا إلى تعزيز القاعدتَين معاً وإنشاء مواقع جديدة وفق الصحافي الكردي المقيم في سوريا ناظم داستان. تفيد التقارير بأن الخنادق والقنوات والأنفاق تُحفَر بالقرب من ميدروت، على مسافة غير بعيدة من تل أبيض وزركان وهوشان والخالدية على طول الطريق السريع "إم 4".





تكلم داستان عن صيدا التي شكّلت نوعاً من المناطق العازلة بين الطرفَين، فقال: "اجتمع المسؤولون الأتراك مع الروس منذ فترة وطلبوا إنشاء قاعدة عسكرية في صيدا. لكن كان جواب الروس سلبياً. ثم وقع هجوم مكثّف صدّته "قوات سوريا الديموقراطية". في المرحلة اللاحقة، بدأ الأتراك يحفرون الخنادق والأنفاق ويبنون برج المراقبة وهم يستعملون ذلك الموقع الآن لمراقبة الطريق السريع "إم 4" وعين عيسى".

يقول روج آفا إن تركيا كثّفت قصف القرى في محيط عين عيسى وتل أبيض. لقد أصبح قُرْب "شيرجراك" من تلك العمليات "كابوساً حقيقياً" للسكان المحليين برأيه، حتى أن المواكب المدنية تتعرض للهجوم على الطريق السريع "إم 4" مع أن الناس هناك يتمتعون بحماية مزعومة من روسيا بموجب الاتفاقيات التركية الروسية. برأي روج آفا، أصبح ذلك الطريق مرادفاً لعمليات النهب والخطف والترهيب على يد الميليشيات المتمردة والمتحالفة مع تركيا.

هل ينذر النشاط العسكري التركي في المنطقة إذاً ببدء مرحلة جديدة من "عملية نبع السلام"؟

تكلم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن احتمال إطلاق عملية جديدة في مناسبات متكررة في تشرين الأول الماضي، حين كانت الولايات المتحدة منشغلة بالانتخابات الرئاسية المحلية. تظن أنقرة أن الشراكة بين الولايات المتحدة و"وحدات حماية الشعب" توازي تقديم الدعم إلى "حزب العمال الكردستاني"، تلك الجماعة المسلّحة التي حاربت أنقرة طوال أربعة عقود تقريباً. تعتبر تركيا "وحدات حماية الشعب" امتداداً لـ"حزب العمال الكردستاني" وتضع الجماعتَين في خانة التنظيمات الإرهابية. في 3 تشرين الأول، قال أردوغان محذراً: "المناطق الإرهابية في سوريا لا تزال قائمة. إما أن يتم تمشيطها بما يتماشى مع الوعد الذي تلقيناه، وإما أن نذهب ونحقق هذا الهدف بأنفسنا". ثم وجّه أردوغان تحذيراً آخر في 24 تشرين الأول، فقال: "أصبحت الجهود الرامية إلى إنشاء دولة إرهابية هناك قيد التنفيذ. تركيا لن تسمح مطلقاً بنشوء دولة مماثلة على حدودها. سنقوم بكل ما يلزم لنسف ذلك المستنقع الإرهابي". بعد أربعة أيام على ذلك التصريح، أكد أردوغان على أن تركيا "تملك سبباً مشروعاً للتدخل في أي لحظة ما لم يتم التخلص من الإرهابيين كما وعدونا".

بدا وكأن تركيا تفكر بمحاولة تحقيق مكاسب إضافية ميدانياً فيما كان الرئيس دونالد ترامب منشغلاً بالانتخابات الرئاسية، علماً أن قراراته المتسرعة أعطت أردوغان الفرص المناسبة للتحرك في حالات كثيرة. لكن يبدو أن هزيمة ترامب غيّرت حسابات أنقرة في الفترة الأخيرة. توقفت تحذيرات أردوغان منذ فوز جو بايدن بالرئاسة الأميركية، لكن تسارعت في المقابل التحركات العسكرية التركية ميدانياً.

في مطلق الأحوال، لا يمكن استبعاد احتمال أن تستفيد تركيا من المعمعة المرافِقة للعملية الانتقالية في واشنطن لتوسيع "عملية نبع السلام" رغم وفرة المؤشرات على محاولة تكيّفها مع الواقع الجديد في واشنطن. لم يتغير عداء أنقرة المعلن تجاه الحكم الذاتي الكردي في شمال سوريا. منذ التخلي عن مسار التسوية مع الأكراد محلياً في العام 2015، استثمر أردوغان جزءاً كبيراً من رصيده السياسي لتنفيذ هذه المقاربة، بما في ذلك تحالفه مع القوميين في تركيا، وقد ساعده هذا الوضع على فرض نظام رئاسي تنفيذي في العام 2018.

قد تستمر مواقف أردوغان حول سحق "الممر الإرهابي" في سوريا طالما يتّكل على دعم القوميين، لكن من المتوقع أن يُمهّد فوز بايدن بالرئاسة الأميركية لاعتدال المواقف التركية. يتوقع الأكراد تحديداً أن يخفّ التوتر في علاقتهم مع تركيا. في هذا السياق، صرّح قائد "قوات سوريا الديموقراطية" مظلوم كوباني لموقع "المونيتور" في وقتٍ سابق من هذا الشهر: "لا يمكننا أن نقول إن إقدام تركيا على إطلاق هجوم عسكري جديد ضد المناطق الكردية أصبح احتمالاً معدوماً، لكن من الواضح أن هذا الاحتمال تراجع بدرجة ملحوظة".

مع ذلك، يشعر الأكراد بالقلق حتى الآن. حين سُئل روج آفا عن احتمال حصول هجوم تركي جديد، أجاب قائلاً: "يبحث الأتراك عن الفرصة المناسبة لإطلاق هجوم في شمال سوريا مع أنهم يعرفون أن المناخ السياسي بعد الانتخابات الأميركية لا يصبّ في مصلحتهم. تتابع القوات الأميركية والروسية التي تُعتبر ضامنة للاتفاقيات مع تركيا تواصلها مع "قوات سوريا الديموقراطية"، لكنها لا تمنع تحركات تركيا الرامية إلى احتلال المناطق. قد يحاول الأتراك تنفيذ أجندتهم فيما يبقى حليفهم القديم ترامب في منصبه، لكني لا أظن أنهم يتمتعون بالجرأة أو الوسائل اللازمة للقيام بذلك لأن التداعيات المحتملة ستكون كارثية".

كذلك، يظن داستان أن تركيا تفكر بإطلاق هجوم واسع النطاق مع أن المناخ السياسي تغيّر ولم يعد يصبّ في مصلحتها. قد لا تحصل العملية الهجومية فوراً بحسب رأيه، لكن بدأ الأتراك يستعدون لها وقد يتحركون حين تسنح لهم الفرصة.

منذ السنة الماضية، يشعر الأكراد بالقلق من احتمال أن تحاول تركيا الاستيلاء على منطقة كوباني لربط المساحتين الحدوديتَين اللتين تسيطر عليهما على كل جانب من المنطقة. هم يخشون الآن أن تحاول تركيا الاستيلاء على عين عيسى أولاً، ما يعني محاصرة كوباني وعدم ترك منفذ لها باستثناء طريق يتّصل بمنطقة تشرين جنوباً. كذلك، تسود مخاوف قديمة من احتمال أن ترضخ تركيا لخطة روسيا في إدلب مقابل تلقي التنازلات المطلوبة لتوسيع "عملية نبع السلام" ضد الأكراد. قد يؤدي موقف روسيا إلى تعقيد حسابات تركيا. بموجب اتفاق "سوتشي" في تشرين الأول 2019، كانت تركيا وروسيا تنفذان دوريات مشتركة على طول الحدود الشرقية والغربية للمنطقة التي تشهد "عملية نبع السلام"، بما في ذلك محيط كوباني. ربما لم ينجح ذلك الاتفاق في منع اعتداءات تركيا، لكنه سمح لروسيا بفرض سيطرة جزئية ميدانياً. كذلك، حصلت تغيرات ميدانية بارزة منذ التوقيع على الاتفاق، فقد استولى الروس على القاعدة التي أخلتها القوات الأميركية في عين عيسى وينتشر الجيش السوري اليوم في الطريق السريع "إم 4" وعلى الحدود التركية.

في نهاية المطاف، قد يبقى الهدف من التعزيزات العسكرية التركية محدوداً ويقتصر على توسيع سيطرة أنقرة على الطريق السريع "إم 4". في تقرير نُشِر في وقتٍ سابق من هذا الشهر، سلّطت وكالة أنباء "الأناضول" الحكومية التركية الضوء على دور طريق "إم 4" في نقل إمدادات النفط من المناطق الكردية إلى الأراضي التي تسيطر عليها دمشق. ذكر التقرير ما يلي: "يتابع النظام السوري، رغم تعرّضه للعقوبات الأميركية، تلقي النفط من التحالف الإرهابي الذي يضمّ "وحدات حماية الشعب" و"حزب العمال الكردستاني"، وهما حليفان للولايات المتحدة. بلغ مجموع تجارة النفط 15 ألف شاحنة خلال الشهر الماضي. رُصِدت الناقلات التي تحمل النفط من منطقة رميلان الخاضعة لسيطرة "وحدات حماية الشعب" و"حزب العمال الكردستاني" في ثلاثة مواقع يحتلها التنظيم على الأقل، بما في ذلك تل تمر وعين عيسى والرقة". لمنع تدفق النفط بهذه الطريقة، لا بد من السيطرة إذاً على الطريق السريع "إم 4" وعدد من التقاطعات المرتبطة به.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.