يشكّل لبنان اليوم نموذجاً واضحاً لصراع الإرادات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط. فبين خطاب "الاشتباك المُتحكَّم فيه" الذي يتبنّاه السفير الإيراني مجتبى أماني، ومنطق "نزع السلاح كشرط للدولة" الذي يروّج له المبعوث الأمريكي توم براك، تتحدّد ملامح أزمة لبنانية مُركّبة تتجاوز البعد العسكري والسياسي لتلامس جوهر المسألة السيادية ذاتها: من يملك قرار الدولة اللبنانية؟
تستمرّ إيران في تبنّي استراتيجية "الاشتباك المُتحكَّم فيه" رغم الخسائر المُتراكمة في ساحات المواجهة. يستند هذا النهج إلى مبدأ إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مما يتيح لطهران الحفاظ على توازن ردعي يضمن استمرار نفوذها الإقليمي دون استنزاف مباشر.
في هذا السياق، يمثّل حزب الله حجر الزاوية في بنية الردع الإيرانية؛ فهو ليس مجرد مقاومة لبنانية، بل امتداد سياسي وأيديولوجي لبنية الحكم في طهران. وتستند مهمته إلى تثبيت موقع لبنان ضمن فضاء النفوذ الإيراني عبر معادلة مزدوجة: مقاومة دائمة تُبرّر بقاء السلاح، ودولة ضعيفة تُبرّر استمرار الحاجة إلى تلك المقاومة.
وبذلك، يتحوّل "الاشتباك المُتحكَّم فيه" إلى أداة لإبقاء لبنان في حالة توتّر دائمة، تهدف إلى حفظ توازن الردع لكنها في الوقت ذاته تُعيق بناء الدولة وتُجمّد قدرتها على التعافي.
في المقابل، وبغضّ النظر عن الأهداف الأميركية الحقيقية, التي قد تكون جزءًا من خطة استراتيجية لإبعاد أذرع إيران عن الحدود الإسرائيلية، تنطلق المقاربة الأميركية من فرضية منطقية تعتبر أن السلاح غير الشرعي يشكّل العقبة البنيوية الأبرز أمام قيام دولة لبنانية قوية وقادرة.
تقدّم هذه المقاربة فكرة نزع السلاح الغير شرعي ليس كهدفٍ أمني فحسب، بل كشرطٍ أساسي لإعادة بناء النظامين السياسي والاقتصادي في لبنان. غير أن ضعف الطرح الأميركي يكمن في أنه يكتفي بالإشارة إلى مكامن الخلل، كضعف تسليح الجيش، من دون أن يقدّم حلولاً عملية لمعالجة هذه الثغرات. فالدولة، في المنظور الأميركي، لا يمكن أن تقوم على ازدواجية القوة والقرار، لأن هذه الازدواجية تُشلّ مؤسساتها، وتُضعف سيادتها، وتُقوّض في الوقت نفسه ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية بقدرتها على النهوض والإصلاح.
ورغم أن هذا المنطق يتوافق مع النظريات الحديثة في علم الدولة، فإن واشنطن تكتفي "بجلد" السلطة اللبنانية عبر اتهامها بكثرة الكلام وقلّة الأفعال، من دون أن تقدّم أي دعم فعلي يمكّن الدولة من استعادة عافيتها.
ومن هنا، يأتي الربط الصارم بين المساعدات الاقتصادية والإصلاحات البنيوية من جهة، وضرورة احتواء الدولة للسلاح من جهة أخرى. وقد تزامن هذا التوجّه مع تصاعد الضغوط المالية على بيروت، في وقتٍ رفع فيه صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2025، بينما يبقى لبنان استثناءً سلبياً غائباً عن موجة التعافي، نتيجة انهيار قدرته المؤسساتية وفقدان الثقة بفاعلية نظامه السياسي.
وتأخذ هذه الفجوة بُعداً استراتيجياً إضافياً في ظلّ الثورة الرقمية العالمية، إذ يعجز لبنان عن تطوير بنية تحتية تكنولوجية مُستقرة تواكب التحوّلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يكرّس موقعه في هامش الاقتصاد المعولم.
يتمثل التناقض البنيوي في المعادلة اللبنانية الراهنة في صدام مفهومين متنافرين:
- مفهوم الدولة الحديثة: التي تحتكر العنف الشرعي وتمارس السيادة عبر المؤسسات.
- مفهوم المقاومة الدائمة: التي ترى في استمرار السلاح ضمانة لهوية لبنان ودوره الإقليمي.
هذا التعارض لا ينتج فقط ازدواجية في القرار العسكري، بل يخلق أيضاً انقساماً في تعريف المصلحة الوطنية نفسها. فبينما تعتبر الدولة أن قوتها في استقرارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، يرى محور الممانعة أن قوتها في قابليتها للاشتباك والاستنزاف والصمود. نتيجة ذلك، تتآكل الثقة الداخلية والخارجية، وتتجمّد عملية الإصلاح، وبقيت المساعدات الدولية مرهونة بشرط "فك الارتباط الإقليمي"، ما يجعل التعافي رهينة معادلات غير لبنانية.
إنّ الصراع بين أماني وبراك يتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي التقليدي، ليعبّر في جوهره عن مواجهة معرفية وسياسية حول مفهوم السيادة في دولةٍ تتنازعها الولاءات المتعددة. فإيران تسعى إلى تكريس "ساحة مرنة" تتيح لها الحفاظ على ارتباطها بمحورها الإقليمي، بما يخفّف الضغط عنها ويُجنّبها كأس المواجهة المباشرة مع إسرائيل. في المقابل، تدفع الولايات المتحدة باتجاه إقامة "دولة طبيعية" تستعيد وحدانية القرار السياسي والعسكري، وتُشكّل حاجزاً أمام تمدّد النفوذ الإيراني، بما يضمن قطع الذراع الإيرانية عند حدود إسرائيل.
وهكذا يتحول النقاش حول السيادة إلى اختبار لجوهر الدولة اللبنانية نفسها: هل هي دولة تُعبّر عن إرادة مواطنيها ضمن نظام مؤسساتي موحّد، أم مجرّد ساحة مفتوحة تُدار وفق توازنات القوى الإقليمية؟
من هنا، يبرز أمام السلطة اللبنانية مفهوم "السيادة الواعية" كخيار ثالث يتجاوز ثنائية الارتهان والانغلاق. وهي سيادة تُبنى على استقلال القرار الوطني، وعلى بنية مؤسساتية تحصّن الاقتصاد والسياسة من الارتهان الخارجي.
إن استعادة السيادة في لبنان لن تتحقق عبر الشعارات، بل عبر تحرير الدولة من وظيفتها كأداة في صراعات الآخرين، وتحويل القوة من وسيلة لمحور إقليمي إلى عنصر لحماية المصلحة الوطنية العليا.
يقف لبنان اليوم أمام اختبار وجودي تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، والإيديولوجيا بالاقتصاد. فبين سندان أماني ومطرقة براك، يتقرّر مصير دولة تبحث عن شكلها وهويتها في عالم يتغيّر بسرعة.