شربل صيّاح

ماذا لو لم يُقتل إيليو أبو حنّا؟

3 دقائق للقراءة

سؤالٌ يحمل في طيّاته أكثر من وجعٍ شخصي، وأكثر من مأساة عابرة. إنّه سؤالٌ عن وطنٍ بأسره، عن صيغةٍ تهتزّ كل يومٍ تحت ثقل العجز، عن دولةٍ تآكلت مؤسّساتها حتى باتت عاجزةً عن حماية شابٍ يقود سيارته في عاصمة بلاده.

إيليو، ابن الأربعة والعشرين ربيعًا، خريج جامعة الروح القدس – الكسليك، كان واحدًا من آلاف الشباب اللبنانيين الذين حلموا بما هو طبيعي لأي إنسانٍ في أي وطنٍ آخر: الأمان، العمل، والكرامة.

كان يقود سيارته في مدينته، لا في أرضٍ غريبة، حين باغته رصاصٌ لا يعرف معنى الدولة ولا القانون. رصاصٌ انطلق من حاجزٍ خارج شرعية الدولة، من سلاحٍ قيل لنا في الأشهر الماضية إنّه "محصورٌ" و"منضبط"، فإذا به يُزهق روحًا بريئة بدمٍ بارد.

لكن، ماذا لو لم يُقتل إيليو أبو حنّا؟

ربما كان اليوم في طريقه إلى المطار، يحمل حقيبة صغيرة، وتذكرةً إلى مستقبلٍ بعيدٍ عن لبنان. كان، مثل كثيرين من أبناء جيله، يبحث عن حياةٍ لا يتهدّدها انقطاع الكهرباء، ولا العتمة، ولا الانهيار، ولا السلاح المتفلّت. كان سيغادر، كما غادر غيره، ليصنع ما عجز وطنه عن صناعته له: الاستقرار.

إنّ مقتل إيليو ليس حادثةً معزولة، بل مرآةٌ تعكس عمق الأزمة اللبنانية. فالمشكلة لم تعد في السلاح وحده، بل في الصيغة التي سمحت له أن يتكاثر ويتحكّم في مساحاتٍ من الدولة، حتى باتت السيادة مفهوماً نظرياً لا يُترجم على الأرض. لقد سمعنا وعوداً كثيرة: عن عهدٍ جديد، عن قيادةٍ جديدة، عن حصرٍ للسلاح، وعن قيام دولة القانون. لكن الترجمة، على الأرض، كانت مزيداً من الفوضى، ومزيداً من الدم.

السؤال الحقيقي اليوم ليس: كيف نحصر السلاح؟ لأنّ الآلية واضحة لكنّ الإرادة عمليّا غائبة.

بل: ماذا بعد حصره؟

هل ستعود الكهرباء إلى بيوت اللبنانيين؟

هل ستجري المياه في أنابيبهم كما تجري في الوعود؟

هل سيُحاسَب الفاسدون الذين نهبوا الدولة باسم الطائفة والمنطقة؟

هل سيعود الشباب إلى أوطانهم، بدل أن يعودوا إليها في نعوشٍ ملفوفة بالألم؟

لبنان اليوم أمام مفترقٍ مصيري: إمّا أن يعيد صياغة نفسه كدولةٍ فعليةٍ تحتكر السلاح والقرار والسيادة بفكّ الإرتباط على كل الأصعدة مع الوعي الميليشياوي، أو أن يواصل انحداره ككيانٍ هشّ، تتنازعه الولاءات والفوضى. الحلّ لا يكون بشعاراتٍ جديدة ولا ببيانات استنكارٍ رنانة، بل بجرأةٍ وطنيةٍ تقول: كفى.

كفى تواطؤاً مع منطق السلاح غير الشرعي.

كفى مساوماتٍ على دماء الشباب.

كفى تغاضياً عن واقعٍ يقتلنا كل يومٍ بطريقةٍ مختلفة.

كفى حوار مع الميلشيات اللّبنانية و الأجنبية.

لو لم يُقتل إيليو أبو حنّا، لكان ربما اليوم في المهاجر يسعى وراء مستقبلٍ أفضل، بعيداً عن وطنٍ لم يعد يشبه أحلام بنيه.

رحل إيليو، لكن سؤاله باقٍ في وجداننا:

إلى متى نبقى مواطنين في وطنٍ لا يملك من مقوّمات الدولة سوى الاسم؟

إلى متى يُختَزَل مستقبلنا بين رصاصةٍ أو حقيبة سفر؟

إلى متى ستبقى الدّولة تتحاور مع الإرهاب؟

ربما لا نملك جواباً شافياً اليوم، لكنّنا نعلم يقيناً أنّ خلاص لبنان يبدأ بفكّ الارتباط الكامل مركزيّاً و لامركزيّاً مع كل منطقٍ يتناقض مع قيام دولة فعليّة،

اقتصادياً، اجتماعياً، وسياسياً.

حينها فقط…

سيسهر إيليو من عليائه على الأجيال التّي ستأتي ويقول في نفسه: ليتني عشت هذه المرحلة!