بعد اتفاق السلام في غزة، انتقلت الأنظار كليًا نحو الجبهتين اللبنانية والإيرانية. فالهدوء في الجنوب الفلسطيني لم ينعكس على لبنان، بل العكس تمامًا: الغيوم السوداء تتكثّف فوقه، والتصريحات الغربية والإسرائيلية توحي بأنّ الساحة اللبنانية قد تكون التالية في مسلسل التصعيد.
مصدر أوروبي رفيع أكد أن الغرب منح لبنان "فرصته الأخيرة" لنزع سلاح حزب الله، مشيرًا إلى أنه في حال عدم تحقيق أي تقدّم في هذا الملف خلال الأسابيع المقبلة، فإن عملية عسكرية إسرائيلية واسعة ستنطلق ضد الحزب. ويضيف المصدر أنّ القرار في العواصم الغربية واضح: "لا يمكن إبقاء حزب الله مسلحاً بعد غزة". هذه الرسالة وصلت بوضوح إلى بيروت، حيث يدور نقاش داخلي حول كيفية تجنّب الأسوأ وسط غياب أي مبادرة حقيقية من الحكومة.
لكن السؤال الأوسع يبقى: هل ستشمل العملية إيران أيضًا؟ الجواب، حتى الآن، هو لا. فإسرائيل تدرك أنّها لا تستطيع خوض حربين في آن واحد. إيران دولة كبرى، مترامية الأطراف، تمتلك منظومات دفاعية متقدّمة وقدرات صاروخية بعيدة المدى، بينما الجيش الإسرائيلي يواجه تحديات داخلية، واستنزافاً منذ معركة غزة.
أي عملية ضد إيران تحتاج إلى دعم عسكري مباشر من الولايات المتحدة، لكن واشنطن اليوم منشغلة بملفات أخرى، وعلى رأسها الاستعداد لعملية عسكرية محتملة في فنزويلا، وهو ما يجعل الإدارة الأميركية حذرة من فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط. لذلك، يتركز المخطط الإسرائيلي الحالي على تدمير أذرع إيران، لا إيران نفسها، وعلى رأس هذه الأذرع حزب الله في لبنان.
ومع ذلك، لا يمكن استبعاد عنصر المفاجأة في المشهد الإسرائيلي. فـ“جنون نتنياهو”، كما يصفه حتى بعض المسؤولين الغربيين، يجعل من الصعب التنبؤ بخطوته المقبلة. من عملية “البيجر” داخل لبنان إلى الهجوم المسيّر الغامض في إيران، أثبتت تل أبيب أنها قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة ومباغتة، من دون إعلان حرب شاملة.
اليوم، يعيش لبنان بين التهديد والاحتمال. التصعيد قائم، والمؤشرات الميدانية تتزايد، لكن القرار النهائي ما زال في تل أبيب. وإذا كانت إسرائيل تعتبر أنّ ساعة الحسم اقتربت، فإنّ الأسابيع المقبلة ستحدد: هل تكون الضربة على لبنان فقط، أم أنّ شرارة الحرب ستتجاوز الحدود لتصل إلى طهران؟