لم يعد الوضع في لبنان يحتمل مزيدًا من الانتظار أو المراوغة السياسية. فالميدان اليوم يُعيد نفسه على نحوٍ مقلق، حيث تتكرر مشاهد الخروقات الإسرائيلية والردود المحدودة، في ظلّ غياب استراتيجية وطنية واضحة تحدد كيف يمكن للبنان أن يصون أمنه وحدوده وسيادته من دون أن يتحول إلى ساحةٍ دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية.
اليوم، وبعد مرور أكثر من تسعة أشهر على بداية العهد الرئاسي الجديد، تبدو الحاجة إلى خيارٍ وطني جامع أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى. خيارٌ يستند إلى منطق الدولة لا منطق المحاور، إلى جيشٍ واحد لا جيوش متفرقة، وإلى سياسة خارجية متوازنة تعيد للبنان موقعه الطبيعي دولةً ذات سيادة كاملة، لا ساحةً مفتوحة أمام الآخرين.
منذ عام 1949، حين وُقعت اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل، لم ينجح لبنان في فرض سيادته الكاملة على حدوده الجنوبية. فالاتفاقية أعطت إطارًا موقتاً للهدنة، بينما توسع السلاح الفلسطيني في المخيمات، وتطور لاحقًا إلى ظهور تنظيمات مسلحة أخرى بدعم إقليمي، ما جعل لبنان يدفع ثمن القضايا الإقليمية من دون أن يمتلك القرار الكامل في حماية أراضيه. ومع كل جولة من العنف، كانت المعادلة تتكرر: سلاح خارج الدولة، حدود سائبة، وحلول موقتة تفرضها موازين القوى الإقليمية والدولية، فيما غاب القرار السيادي الموحد الذي كان من شأنه أن يجنب لبنان عقودًا من الحروب بالوكالة.
لم تشكل القرارات الدولية مجرد بيانات، بل كانت فرصة متكررة للبنان لإعادة بناء منظومته الأمنية والسياسية. بدءًا من القرار 425 الصادر عام 1978، الذي دعا إلى احترام سيادة لبنان وسحب القوات الإسرائيلية فورًا، مرورًا بالقرار 1559 الذي طالب بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وإنهاء الوجود المسلح غير الشرعي، وصولًا إلى القرار 1680 الذي شدّد على ترسيم الحدود واحترام السيادة، وأخيرًا القرار 1701 الذي صدر عقب حرب تموز 2006 ليؤكد وقف الأعمال العدائية وضرورة بسط سلطة الدولة عبر انتشار الجيش اللبناني و"اليونيفيل" في جنوب الليطاني. ومع ذلك، فإن الانقسامات الداخلية، وتداخل المصالح الإقليمية، واستمرار السلاح خارج إطار الدولة، أفقدت هذه الفرص مضمونها، وأبقت الجنوب ساحة تجاذب بدل أن يكون نموذجًا للاستقرار.
التجربة التاريخية تُظهر أن كل صراع عسكري مهما طال، لا بد أن يُختتم بتسوية سياسية. فهكذا انتهت الحرب الكورية عام 1953 بهدنة ما زالت قائمة حتى اليوم، وهكذا تحولت اتفاقية دايتون عام 1995 إلى صيغة أنهت النزاع في البوسنة بعد حرب مدمرة، كما أن اتفاقية كامب ديفيد جاءت بعد حرب أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل لتحول العلاقة من الميدان إلى الطاولة. هذه الأمثلة تؤكد أن منطق القوة العسكرية لا يُنتج سلامًا دائمًا، بل يُمهد دائمًا لجلوس الأطراف حول مفاوضات الحل السياسي.
اليوم هناك انقسام داخلي حاد حول التفاوض مع إسرائيل. بعض القوى السياسية ترى أن التفاوض المباشر هو الخيار الواقعي الوحيد لحماية لبنان وضمان أمنه، فيما يرفض "حزب الله" وبعض المكونات الشيعية أي مفاوضات مباشرة، معتمدين على منطق الردع والاستراتيجية العسكرية. تزامن هذه التباينات مع التحضيرات للانتخابات النيابية عام 2026 يزيد من تعقيد المشهد، كما تشير التقارير الغربية إلى احتمال تصعيد عسكري إسرائيلي إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم، ما يجعل لبنان أمام خيار حاسم: إما الاستعداد لتصعيد محتمل أو اعتماد التفاوض السياسي المدعوم بالحياد والسيادة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الجهود الدبلوماسية التي تبذلها الأطراف الدولية والعربية، من سفراء ومبعوثين دوليين، لتسهيل التوصل إلى حلول واقعية للأزمة اللبنانية. هؤلاء الوسطاء يعملون على تقريب وجهات النظر بين الأطراف اللبنانية المختلفة، وضمان التزام جميع القوى بالحدود والسيادة، مع تقديم الدعم التقني والسياسي لعملية التفاوض المباشر مع إسرائيل حول الحدود والملفات العالقة. إن إشراك الموفدين الدوليين والعرب يمنح لبنان فرصة للتهدئة وتقليل احتمالات التصعيد، كما يفتح المجال أمام صياغة حلول سياسية متوازنة تعتمد على الحوار والضمانات الدولية، وليس على القوة العسكرية وحدها.
وفي الأسابيع الأخيرة، تصاعدت المؤشرات الدبلوماسية والميدانية على مخاطر تصعيد في الجنوب. بحسب تقارير صادرة عن الأمم المتحدة (UNIFIL) ووسائل إعلام غربية كـ Reuters وThe Guardian، سُجلت زيادة في وتيرة الخروقات الجوية والمدفعية الإسرائيلية، تزامنًا مع تحذيرات من مبعوثين غربيين من أن فشل المسارات السياسية قد يقود إلى مواجهة أوسع خلال الأسابيع المقبلة. كما أشارت The Washington Post إلى أن الدبلوماسيين الأميركيين والأوروبيين يتخوفون من "انزلاق تدريجي نحو مواجهة أكبر" ما لم يتم التوصل إلى تفاهم حول قواعد الاشتباك وضبط الحدود. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات استخباراتية علنية تؤكد أن ضربة شاملة "حتمية"، بل هناك إنذارات وتحليلات تُظهر أن إسرائيل تستخدم الضغط العسكري كأداة تفاوضية أكثر مما هي مقدمة لحرب مفتوحة.
وتتزامن هذه المرحلة الحرجة مع زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان، الممتدة من 30 تشرين الثاني وحتى 2 كانون الأول، وما تحمله من رمزية إنسانية ورسائل سلام، والتي ساهمت وفق تقديرات دبلوماسية أوروبية في تأجيل أو تخفيف أي قرار عسكري كبير خلال هذه الفترة الحساسة. هذه الزيارة تمثل فرصة لتعزيز الحوار الداخلي والدولي حول استقرار لبنان وتهيئة المناخ السياسي للتفاوض، بعيدًا من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
المواطن اللبناني يشعر بقلق مشروع من احتمال اندلاع حرب جديدة، وهذا القلق ينبع من الخبرة التاريخية الطويلة للصراعات. إلا أن التحليل المنطقي يظهر أن مصلحة إسرائيل الحالية ليست شن حرب شاملة على لبنان، بل استخدام التهديدات والضغط العسكري لتحقيق مكاسب استراتيجية دون الدخول في مواجهة مكلفة سياسيًا وعسكريًا. لبنان من جانبه يواجه معادلة دقيقة: كيف يخفف من المخاطر على أرضه، ويطمئن المواطنين، بينما يحافظ على حقوقه السيادية ويستعيد السيطرة على حدوده؟ الإجابة تتضح عبر خيار الحل السياسي والدبلوماسي المدعوم بجيش وطني موحد، قادر على فرض سيادة الدولة ومنع أي استفزازات.
الخيار الاستراتيجي للبنان هو توحيد القرار الداخلي عبر اعتماد الدولة فقط في إدارة الحدود والمفاوضات، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني ليصبح رأس الحربة في حفظ الأمن الوطني وتنفيذ القرارات الدولية، واعتماد الحل السياسي والدبلوماسي كخيار أساسي، مع إشراف دولي لضمان نجاح المفاوضات والحفاظ على السيادة.
الحياد الإيجابي ليس ضعفًا، بل قوة: دول مثل سويسرا والنمسا أثبتت أن الحياد يضمن الاستقرار على المدى الطويل، ويمكن للبنان أن يكون نموذجًا مماثلاً في الشرق الأوسط إذا أعاد قراءة تاريخه وحصّن قرار الدولة.
المرحلة الحالية تمثل فرصة أخيرة للبنان: الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الدولة، ومن دوامة الحرب إلى منصة التفاوض. القوة الحقيقية ليست في عدد البنادق، بل في وحدة الموقف الوطني، وفي أن يكون اللبنانيون أخيرًا أصحاب القرار في السلم والحرب، لا ساحتها.
باحث سياسي وعسكري