أحمد الأيوبي

حتى لا تكون وزارة الزراعة بلا مزارعين

4 دقائق للقراءة

بدعوة من جمعية "الإرشاد" التابعة لحركة "أمل" عُقد في بعلبك لقاء بعنوان "القنب الهندي والتنمية الزراعية" برعاية وزير الزراعة نزار الهاني وعدد من الشخصيات الرسمية. لكن المفارقة أن اللقاء الذي يفترض أن يكون منبرًا للمزارعين ووسيلة لطرح همومهم، خلا تمامًا من وجودهم، واقتصر الحضور على رؤساء بلديات، ومديري مدارس، ومخاتير، ووجهاء المنطقة، ورؤساء نقابات محسوبين على الجهات السياسية المتحكّمة بالقطاع الزراعي.

تحوّل اللقاء إلى استعراض شكلي مليء بعبارات الشكر والمجاملات، بدل النقاش الحقيقي حول كيفية إنصاف المزارع ودمجه في مشروع تشريع القنب الهندي. وما ظهر بوضوح هو محاولة تلزيم المشروع لجهات حزبية نافذة، بعيدًا عن الشفافية والمصلحة العامة، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجارب الفساد القديمة التي أنهكت القطاعات الإنتاجية في لبنان.

من هنا، خرجت أصوات أبناء المنطقة تطالب بوضع حد لهذا الانحراف، وفتح تحقيق جدي في طريقة إدارة ملف القنب الهندي، وإلى تحرُّكٍ فوريّ لضمان أن يستفيد صغار المزارعين من هذا المشروع، لا أن يُقصَوا مرة أخرى لمصلحة "المافيات" التي تتقاسم النفوذ.. فـأبناء بعلبك الهرمل هم من تورّطوا في زراعة الحشيش وبات كثيرون منهم ملاحقين من الدولة بسببها، بينما يشارك الثنائي الشيعي في الحكم ويجني "حزب الله" وحركة "أمل" ثمار السلطة، بل ويرفعون الغطاء عن تشكيلات العشائر لأثمانٍ سياسية باتت معروفة.

لا يريد الأهالي أن يتحوّل هذا المشروع إلى نسخة جديدة من "الريجي" في تقاسم مغانم الدولة ومنح التراخيص، بل إلى فرصة إنمائية حقيقية تحفظ كرامة المزارع وتعيد الاعتبار للمنطقة.

وفي هذا الإطار، أصدر اتحاد جمعيات بعلبك الهرمل بيانًا استنكر فيه تغييب المزارعين عن اللقاء، مؤكدًا أن "أي مشروع يُطرح باسم القنب الهندي يجب أن ينطلق من المزارع لا من مكاتب السياسيين، وأن يكون هدفه دعم أهل الأرض لا مكافأة الفاسدين"، وختم الاتحاد بدعوة وزارة الزراعة إلى الشفافية الكاملة في إدارة هذا الملف، بالنظر إلى أن ما جرى لا يُبشر بالخير، فالمأمول منها أن تكون وزارة المزارعين أولًا وأخيرًا، وأن لا تقع في فخ الاستدراج السياسي والمناطقي، كما حصل في مناطق أخرى مثل عكار مثلًا، عندما تحوّلت زيارة الوزير إلى حدث عائلي وشخصي جرى استثماره ممن استضاف ونظم الجولة، بينما غاب المزارعون أصحاب القضايا والهموم التي تثـقِل كواهلهم على مدار العام.

يعيش وزير الزراعة نزار الهاني، الآتي من خلفية علمية وبيئية تبعث على التفاؤل بأدائه، صراعًا مريرًا داخل مطاحن السلطة، خاصة أن الحكومة ومفاصل الحكم ما زالت خاضعة لمراكز النفوذ والقوى السياسية المسؤولة أصلًا عن الانهيار والسقوط الكبير، ومن المفهوم أن يراعي هذه القوى، لكن الواجب يدعوه إلى التوازن بين ضرورات السلطة ومصالح المزارعين على الأقل، فهو يعلم أن النقابات الحزبية مزروعة لأهداف التقاسم والمحاصصة، ويعلم زواريب الفساد، وربما لا يقوى على مجابهتها، لكن المطلوب على الأقل أن يجعل المزارعين جزءًا أساساً في المعادلة، فلا تخلو المشاريع منهم ولا يغيبوا عن المشهد الزراعي.

يعلم الجميع أن "الثنائي الشيعي" يُطبِقُ الخناق على التمثيل المناطقي والسياسي للطائفة الشيعية، لكن المجتمع الشيعي غنيّ بقوى مدنية تعمل في مجال التنمية، وبمراكز ثقل أثبتت وجودها ولا تتحرّك في السياسة لتخريب التنمية، وهذا ما ينبغي الالتفات إليه، بالإضافة إلى مراعاة الأطياف الأخرى عند بدء مشاريع ذات طابع وطني شامل، كما هي حال مشروع القنب الهندي..

ما زال المسار في بدايته والفرصة متاحة لتعميم التعاون مع الجميع، فأحزاب السلطة معروفة الأهداف وواجب وزارة الزراعة توسعة الطريق لكلّ قوى المجتمع الزراعي للانخراط في التغيير الكبير الذي يُفترض أن يُحدثه مشروع التحوّل من زراعة الحشيش وأوزارها إلى القنب الهندي بالقانون والإنماء.