الدكتور سايد حرقص

إلى متى ستستمر السلطة في لعبة النعامة؟

3 دقائق للقراءة

​لم يكن مقتل الشاب إيليو أبو حنّا حادثًا عابرًا في زمن الفوضى، بل صرخة موجعة تختصر حال وطنٍ تخلّت عنه دولته، وتحوّل فيه الأمن إلى مسرح عبثي تتقاطع فيه الأدوار وتختفي فيه المسؤوليات.

كلّ جريمة جديدة تكشف، مرة بعد مرة، أن لبنان يعيش مرحلة التمويه المتبادل: السلطة تُمَوّه عجزها، والمجتمع الدولي يُمَوّه لامبالاته، فيما الحقيقة تُدفن تحت تراب الصمت، تمامًا كما تدفن النعامة رأسها خوفًا من مواجهة العاصفة.

​مقتل إيليو أبو حنّا أعاد إلى الواجهة مهزلة تسليم السلاح الفلسطيني "طوعًا"، تلك المسرحية الهزيلة التي أُخرجت لتغطية فشلٍ مزمن في معالجة جوهر الأزمة الأمنية. فالنتيجة لم تكن "تنظيمًا للسلاح"، بل تسخيفًا للأمن الوطني، ومحاولة بائسة لإقناع اللبنانيين بأن الفوضى يمكن تجميلها بلغة التسويات.

لكن الدم الذي سُفك فضح كل شيء: لم يكن الهدف سوى كسب الوقت، كما لو أن الزمن وحده قادر على ترميم وطنٍ يتهدّم من الداخل.

​منذ سنوات، يُقتل الأبرياء ويُقال إنها "حوادث فردية" أو "أخطاء ميدانية"، بينما الحقيقة أعمق وأخطر: لبنان يرزح تحت فوضى السلاح وازدواجية القرار.

على سبيل المثال لا الحصر، ​الاغتيالات اليومية التي تطال عناصر من حزب الله بفعل المسيّرات الإسرائيلية ليست مجرد حوادث معزولة، بل إشارات دامغة على أن لا الدولة تملك سيادتها، ولا الحزب مقتنع بانتهاء دوره العسكري، وأن ما يُسمّى بخطة “نزع السلاح” التي قدمها قائد الجيش ورحبت بها الحكومة ليست سوى غطاء لفظي لعجزٍ سياسي مزمن.

​تبدو الدولة اليوم كمن يعيش في منفى داخل أرضه. تتحدث عن “السلم الأهلي” وكأنه أحد الاسرار المقدسة في تعويذة سرية، فيما النار تشتعل هنا وهناك والدم يسيل بصمت من دون حسيب او رقيب. تُنادي بالاستقرار، فيما مؤسساتها تتآكل، وهيبتها تتبخر، وقضاؤها يخضع للمقايضات وصناعتها تدمر بفعل الاشاعات وتدخل السياسة في عمل الادارة وشعبها يتيه بين الخوف والخذلان. أما المجتمع الدولي، فيتصرّف كمن يرى ولا يريد أن يرى؛ يتظاهر بالقلق حينًا، وبالاهتمام حينًا آخر، لكنه في العمق يفضّل الجمود المضمون على التغيير المجهول، ولو كان الثمن انهيار وطنٍ بأكمله.

​وهكذا، يستمرّ المشهد على مأساويّته: السلطة تُمَوّه قبح الحقيقة لتربح وقتًا، والخارج يُجاملها حفاظًا على مصالحه، كما قال ذات يوم أحد النواب في المجلس النيابي عن مؤتمر سيدر: "نحنا عم نكذب عليهم وهني بيعرفوا إنو نحنا عم نكذب..." فيما الشعب وحده يدفع الثمن من أمنه وكرامته ومستقبله، كما دفع سابقًا من اقتصاده ورفاهيته.

الثمن هو وطنٌ فقد حدوده بين الدولة والدويلات، بين الشرعية والفوضى، بين الحقيقة والوهم. الثمن هو جيلٌ كامل يعيش بلا أمان، في بلدٍ يشيّع أبناءه كل يوم باسم “الظروف”.

​إن مقتل إيليو أبو حنّا ليس مجرد جريمة جديدة، بل مرآة وطنٍ لم يتصالح بعد مع ذاته. هو نداء لكل من بيده القرار بأن التمويه لم يعد يُنقذ أحدًا، وأن دفن الرؤوس في الرمال لا يوقف العواصف، بل يزيدها جنونًا.

لبنان لا يحتاج إلى بيانات ولا إلى خطابات للحفاظ على السلم الأهلي الوهمي، بل إلى وقفة شجاعة أمام الذات، إلى اعتراف بأن لا قيامة لوطنٍ تتقاسم قراره البنادق المستوردة التي تخدم أجندات وأهدافًا إقليمية.

​إما أن تكون هناك دولة حقيقية تحتكر السلاح وتتحمّل مسؤوليتها، أو يبقى لبنان رهينة لعبة النعامة، تدفن رأسها في الرمال كل مرة، وفي كل مرة، تدفن معها حياة جديدة وقطعة أخرى من الوطن..