الياس دمّر

قصيدة حزينة في ثمن النجاح

"Springsteen: Deliver Me From Nowhere" يُعرّي بطل الرّوك من الدّاخل

4 دقائق للقراءة

يُشكّل فيلم "Springsteen: Deliver Me From Nowhere" نقطة تحوّلٍ في مسار أفلام السّير الذاتيّة الموسيقيّة، إذ لا يكتفي بتجسيد مسار نجوميّة Bruce Springsteen، بل يغوص في أعماق كفاحه الدّاخلي. تُركّز القصّة على نقطةٍ محوريّةٍ في حياته المهنيّة، عند تحضيره ألبومه المعروف "Nebraska" عام 1982. الفيلم من تأليف وإخراج Scott Cooper، ويستند إلى كتابٍ بالعنوان نفسه للكاتب "Warren Zanes".

منذ البداية، يتبنى كوبر نهجًا بدا متوافقًا مع ألبوم "Nebraska" نفسه، الذي نجده بسيطًا، خافتًا وبعيدًا من البهرجة. بدءًا من اللّقطة الأولى في مشهدٍ بالأبيض والأسود لطفولة سبرنغستين، ثمَّ انتقالًا إلى جولةٍ موسيقيّةٍ كبيرة، يعتمد المُخرج أسلوبًا يجعل فيه التناقض واضحًا بين الشهرة والبحث عن الذات. هذا القرار يعكس رغبة في تقديم الرّجل خلف القناع وليس أسطورة الجماهير أو نجم الحفلات. وينجح الفيلم إلى حدّ كبير، في ترسيخ فكرة أن سبرنغستين لم يكن مُجرَّد نشوء نجم، بل إنسان يُصارع شياطينه الخاصَّة: من العلاقة المأزومة مع والده والضغط الناجم عن النجاح إلى شعوره بـعدم الانتماء بين جذوره الهادئة وضجيج العالم الذي دخل إليه.


أكثر من فيلم سيرة

ألقى الممثل Jeremy Allen White نفسه في الدَّور بعمقٍ واضح، محاولًا تجسيد خليطٍ من الصّلابة والتصدُّع النفسي. تقليده لمظهر سبرنغستين ليس ما يهمّ بقدر ما يوحي بالتجربة الداخليّة، من نظرةٍ مترهّلة إلى انسحاب تلقائي في زوايا عزلته. وبحلول نهاية الفيلم، ننسى تقريبًا أنه يلعب دور شخصٍ آخر. إلّا أننا قد نجد الأداء مألوفًا عند وايت، وفيه تكرار نمط المعاناة الذي يجيده ببراعة كما فعل في مسلسل "The Bear"، ما خفف من تأثيره الدرامي الكامل. أمّا أداء Jeremy Strong بدَور "Jon Landau"، وكيل ومُنتِج سبرنغستين، فجاء أمثولة في الاقتصاد التعبيري والصدق الداخلي، حيث كان بجانبه صديقًا أكثر منه مُرشدًا إنتاجيًا، ما أعطى بُعدًا إنسانيًّا للعمل.

ويُشكّل Stephen Graham أحد أعمدة الفيلم التمثيليّة الأكثر تأثيرًا، رغم محدوديّة ظهوره الزمني على الشاشة. بدَور "Douglas Springsteen" الأب القاسي، الصّامت والمهزوم في آن، يُقدّم غراهام أداءً يتجاوز الكلمات. لا يصرخ ولا ينهار، بل يترك للتجاعيد، لنظراتٍ مُتردِّدة ولحركات جسدٍ مُنكمشة، أن تقول كلَّ شيء عن جيل فقد لغته العاطفيّة. يستثمر غراهام مهاراته في خلق التوتر الصّامت بين الأب والابن، بحيث يتحوّل حضوره إلى ظلّ نفسي يُرافق بروس في كلِّ لحظة من الفيلم. معه يتحوّل الأب من مُجرّد خلفية دراميّة إلى رمز ثقافي للذكوريّة الأميركيّة المقهورة وللمسافة العاطفيّة التي صنعت، وربَّما أنقذت، موسيقى سبرنغستين نفسها!

من حيث السّرد، يختار الفيلم تغذية التوتر بالنزعة إلى توقف الحركة، بل إلى الشعور بالجمود أحيانًا. وفي الموسيقى التي تُسجَّل في غرفة النوم، إلى مُشاهدة سبرنغستين المُكرّرة لفيلم "Badlands"، تكمن عودة مُعادة إلى طفولته. إنما في نيّة التباطؤ هذه كمُحاكاةٍ لحالةٍ فنيةٍ، اختَبَرت المَشَاهد الانتظار أكثر من التأمُّل، وأدّت نتيجتها إلى عرض حالة اكتئاب مُنخفضة السّرعة، أكثر من نشاطٍ فني نابض. علاوة على ذلك، علاقة سبرنغستين مع شخصيّة "Faye Romano" (تلعب دورها Odessa Young)، لم تبدو من ركائز قصّة بروس سبرنغستين الصّلبة، كما لو أنها زُجَّت دراميًا. أمرٌ أضعف التركيز على الرّحلة الفنيّة، وجعلنا نشعر بأن الفيلم فضل اختيار نمطٍ سرديٍ كلاسيكي على الجرأة.


اعتراف انساني مؤلم

يُقدّم فيلم "Springsteen :Deliver Me From Nowhere" تأمّلًا مُهمًّا في العلاقة بين الفن والتجربة الإنسانيّة. ليس فيلمًا عن الطريق التي مهّدت لجعل سبرنغستين أسطورة، بل مجموعة تساؤلات في تحوّله الى أسطورة رغمًا عنه! في هذا التحوّل، تكمن القيمة الحقيقية للفيلم عبر تسليطه الضوء على الصّراع الداخلي، على اللّحظة التي يُقرّر فيها الفنان ألّا يرضخ لرغبة شركات الانتاج ومتطلّبات السّوق الموسيقيّة... على تصميمه بأن يُرضي ما في داخله وليس الخارج. كما يُذكّر بأن النجاح ليس تلقائيًا وأن الفنانين العظماء مثال سبرنغستين، يسيرون غالبًا في ضباب البحث وليس دائمًا في رحلة استعراض النجوميّة.

في زمنٍ يُفضل الإنتاج الضخم والعروض المصقولة، يكتسب الفيلم بُعدًا إنسانيًّا وتأمُّليًا مُهمًّا، كونه يجنح بعيدًا عن أفلام السِّيَر الموسيقيّة الأخيرة، رافضًا أن يكون مُجرَّد عرض للاحتفاء الجماهيري الهائل. إنه فيلم هدوء، فيلم شك، فيلم معرفة ذاتيّة. في ذلك، يكمن جماله وأيضًا قيوده.

لمُحبّي أو مُعجبي بروس سبرنغستين، أو للمُهتمّين بالفن الحقيقي وراء الشهرة، سيكون الفيلم محطّة صادقة في فهم ذلك المغني. تشاهدونه في صالات السّينما.