سوسن وزّان وسارة فوّاز

رحلة لذيذة وأسئلة مثيرة... من حبوب الكاكاو إلى ألواح الشوكولا

6 دقائق للقراءة

منذ آلاف السنين، كانت شجرة الكاكاو تنمو في غابات أميركا الوسطى والجنوبيّة، لتكون مصدرًا لواحد من أكثر الأطعمة المحبوبة في العالم: الشوكولا. لم يكن سكان الأزتك والمايا يعرفون الألواح التي نألفها اليوم، بل كانوا يحضرون من حبوب الكاكاو شرابًا مُرًّا يخلطونه بالماء والفلفل الحارّ ويعتبرونه شرابًا مقدّسًا يمنح الطاقة والحيوية. ومع مرور القرون، انتقلت هذه الحبوب عبر المحيط إلى أوروبا، حيث أضيف إليها السكّر والحليب والزبدة، فتحوّلت من مشروب احتفالي مُرّ إلى حلوى تذوب في الفم وتمنح إحساسًا فريدًا بالمتعة.

في زمننا أصبح الشوكولا جزءًا من حياتنا اليومية، يُقدَّم في المناسبات ويُستخدم في صناعة الحلويات والمشروبات وحتى في مستحضرات التجميل. غير أن هذه الحلوى اللذيذة تثير الكثير من الأسئلة حول تأثيرها على الصحّة، والإدمان، والنوم، وحتى على البشرة. فهل يُسبّب الشوكولا الإدمان حقًا؟ وهل يُؤدّي إلى ظهور حَبّ الشباب؟ وهل يحتوي على الكافيين بما يكفي ليُسبِّب الأرق؟ تعالوا نكتشف معًا الإجابات العلميّة عن هذه الأسئلة.


رحلة الشوكولا

تبدأ رحلة الشوكولا إذًا من ثمار شجرة الكاكاو، وهي ثمار بيضويّة الشكل تحتوي على حبوب تُستخرج وتخمَّر وتجفَف، ثمّ تحمّص للحصول على النكهة العطريّة المميّزة. بعد ذلك تُطحن الحبوب لتُنتج ما يُعرف بـ "عجينة الكاكاو" أو "كتلة الكاكاو"، وهي المكوِّن الأساسي في الشوكولا.

يُفصل جزء من هذه العجينة لاستخراج زبدة الكاكاو، بينما يُخلط الجزء الآخر مع السكّر والحليب لإنتاج أنواع مختلفة من الشوكولا: السوداء، بالحليب، أو البيضاء. وتُمرّر العجينة بعد ذلك في آلات خاصة لتصبح ناعمة الملمس ولامعة، قبل أن تُسكب في القوالب وتتحوّل إلى ألواح الشوكولا المعروفة.


هل يُسبّب الشوكولا الإدمان؟

يصف بعض الناس شعورهم بعد تناول الشوكولا بأنه يشبه الإدمان، إذ يجدون صعوبة في مقاومة رغبتهم في تناوله يوميًا. لكن هل هذا الشعور ناتج عن مكوّنات كيميائية تؤدّي فعلًا إلى الإدمان، أم أنه مجرّد ارتباط نفسيّ بالمذاق والمتعة؟

من الناحية العلميّة، يحتوي الشوكولا على مواد مثل "Theobromine" و "Phenylethylamine"، وهي مركّبات تؤثر في الدماغ بطريقة مشابهة لتأثير بعض النواقل العصبيّة المسؤولة عن الشعور بالسعادة. كما يُحفز الشوكولا إفراز الـ "Dopamine" والـ "Serotonin"، ما يفسّر الشعور بالراحة والرضا بعد تناولها.

لكن الدراسات تؤكّد أن هذه المواد غير متوفرة بكميّات كافية لإحداث إدمان حقيقيّ بمعناه الطبيّ، مثل إدمان المخدّرات أو الكحول. لذا يمكن القول إن الإدمان على الشوكولا هو في الغالب نفسيّ أو عاطفي، ناتج عن رغبة الإنسان في تكرار الإحساس بالمتعة والراحة.


الشوكولا وحَبّ الشباب

من أكثر المعتقدات شيوعًا أن الشوكولا يُسبِّب حَبّ الشباب، خصوصًا بين المراهقين. لكن الأبحاث الحديثة قدّمت صورة أكثر دقة. فالمشكلة ليست في الشوكولا نفسه، بل في المكوّنات المضافة إليه مثل السكّر الزائد والحليب والدهون المشبّعة.

يشير بعض الدراسات إلى أن تناول كميّات كبيرة من السكّر والمنتجات الغنيّة بالحليب قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات الإنسولين في الدم، ما يحفز الغدد الدهنية في البشرة ويزيد احتمال ظهور الحبوب. أمّا الشوكولا الداكن (الذي يحتوي نسبة عالية من الكاكاو والقليل من السكّر)، فقد أظهر بعض الأبحاث أنه يحتوي على مضادات أكسدة تساعد في حماية البشرة من الالتهابات.

بالتالي، لا يمكن القول إن الشوكولا بحدّ ذاته هو السبب في ظهور حَبّ الشباب، بل طريقة تصنيعه ومحتواه من السكّر والدهون هما العاملان الرئيسيان لذلك.


هل يُسبّب الشوكولا الأرق؟

نعم، يحتوي الشوكولا، وخصوصًا الأسود منه، على كميّات من الكافيين، لكنها تبقى أقلّ بكثير من الموجودة في فنجان القهوة. فمثلًا، لوح شوكولا داكن يزن 50 غرامًا يحتوي على نحو 30 ميليغرامًا من الكافيين، بينما يحتوي فنجان القهوة على أكثر من 90 ميليغرامًا.

ومع ذلك، قد يكون تأثير الكافيين في الشوكولا ملحوظًا لدى الأشخاص الحسّاسين للكافيين أو الذين يتناولونها في أوقات متأخرة من الليل. لذلك يُنصح بعدم تناول كميات كبيرة من الشوكولا الداكن قبل النوم، خاصةً للأطفال أو مَن يعانون مِن اضطرابات في النوم.

إنما من الناحية الإيجابية، في الكاكاو أيضًا مادة "Theobromine" التي تمنح إحساسًا خفيفًا بالتنبيه والتركيز، من دون التوتر الذي يسبّبه الكافيين، ما يجعل الشوكولا منشِطًا لطيفًا للجسم والعقل.


فوائد الشوكولا الداكن

رغم سمعته المتناقضة، يُعتبر الشوكولا الداكن (الذي يحتوي على أكثر من 70 % من الكاكاو) من أكثر الأطعمة الغنيّة بمضادات الأكسدة، مثل الفلافونويدات التي تساعد على حماية القلب والأوعية الدموية. كما تشير أبحاث إلى أن تناول كميات معتدلة منه يمكن أن يُحسّن المزاج ويقلّل التوتر بفضل تأثيره على الهرمونات العصبية. إلى ذلك، يساهم الشوكولا الداكن في تحسين تدفق الدم إلى الدماغ، ما قد يساعد على تعزيز التركيز والذاكرة، ويحتوي أيضًا على معادن مهمّة مثل الحديد والمغنيسيوم والنحاس.

لكن الاعتدال يبقى المفتاح الأساسي؛ فالإفراط في تناوله قد يؤدي إلى زيادة الوزن بسبب محتواه من الدهون والسكّر، حتى في الأنواع الداكنة.


الشوكولا متعة تحتاج إلى توازن

يظلّ الشوكولا واحدًا من أكثر الأطعمة المحبوبة عالميًا، لما يمنحه من لحظات سعادة وراحة. لكن المتعة الحقيقية تأتي من التوازن: تناوله بوعي، واختر الأنواع الغنيّة بالكاكاو والقليلة السكّر، وتجنب الإفراط. فالشوكولا ليس عدوًا للصحّة كما يظن البعض، بل يمكن أن يكون صديقًا للجسم والعقل إذا استُهلِك باعتدال. فهو يُذكّرنا بأن السرّ في أيّ غذاء لذيذ لا يكمن في المنع، بل في الاعتدال والفهم.

إذًا من ثمار الكاكاو في غابات أميركا إلى مصانع الحلوى في العالم الحديث، قطع الشوكولا رحلة طويلة ليُصبح رمزًا للبهجة والدفء. ورغم الجدل حوله، تؤكّد الدراسات أنه ليس مسؤولًا مباشرةً عن الإدمان أو حَبّ الشباب أو الأرق، بل إن استهلاكه المعتدل قد يمنحنا فوائد صحيّة ونفسيّة عديدة.

www.dietcenterleb.com

[email protected]

Instagram: dietcenterleb

LinkedIn: Diet Center Lebanon