سوسن وزّان وسارة فوّاز

الستيفيا وفاكهة الراهب: بدائل طبيعية للسكّر

6 دقائق للقراءة

مع تزايد معدلات السُّمنة والسكّري وأمراض القلب حول العالم، أصبح البحث عن بدائل صحية للسكّر من أبرز الاتجاهات في مجال التغذية الحديثة. فالاستهلاك المفرط للسكّر المضاف يرتبط بزيادة الوزن، وارتفاع خطر الإصابة بداء السكّري من النوع الثاني، بالإضافة إلى العديد من المشكلات الصحية الأخرى. لذلك اتجهت الأنظار نحو المُحلِّيات منخفضة السعرات الحرارية أو عديمتها، وخاصة المُحلِّيات الطبيعية التي تمنح الطعم الحلو من دون التأثيرات السلبية المرتبطة بالسكّر التقليدي. ومن بين أشهر هذه البدائل الطبيعية تبرز الستيفيا (Stevia) وفاكهة الراهب (Monk Fruit)، اللتان اكتسبتا شعبية واسعة خلال السنوات الأخيرة بفضل مذاقهما الحلو الشديد، وانعدام السعرات الحرارية فيهما تقريبًا، وإمكانية تناولهما من مرضى السكّري ومن يرغبون في التحكّم بوزنهم.

فاكهة الراهب (Monk Fruit) ثمرة صغيرة مستديرة تنمو في جنوب الصين، وتُعرف علميًا باسم "Siraitia grosvenorii". استُخدمت هذه الفاكهة منذ مئات السنين في الطب الصيني التقليدي لعلاج نزلات البرد والتهاب الحلق وبعض مشكلات الجهاز التنفسي، وتستمد حلاوتها من مركّبات طبيعية تُسمى الموغروسيدات (Mogrosides)، التي تمنحها مذاقًا حلوًا يفوق حلاوة السكّر العادي بما يتراوح بين 100 و250 مرة، من دون أن تحتوي على سعرات حرارية تُذكر.

أما الستيفيا (Stevia) فنبات عشبيّ موطنه الأصلي البرازيل والباراغواي في أميركا الجنوبية، ويُعرف علميًا باسم "Stevia rebaudiana". استُخدمت أوراقه منذ قرون لتحلية المشروبات والأطعمة التقليدية، إذ تحتوي على مركّبات طبيعية تُعرف باسم الغليكوسيدات الستيفيولية (Steviol Glycosides)، وأهمها الستيفيوسايد (Stevioside) والريباوديوسايد (Rebaudioside A). وتتميّز هذه المركّبات بأنها أكثر حلاوة من السكّر بحوالى 150 إلى 300 مرة، مع عدم احتوائها على سعرات حرارية تقريبًا.

وعلى الرغم من انتشار المُحلِّيات الصناعية مثل الأسبارتام (Aspartame) والسكرالوز (Sucralose) والسكارين (Saccharin)، فإنّ بعض الدراسات أثارت تساؤلات حول تأثيراتها المحتملة على صحة الأمعاء والتمثيل الغذائي عند الاستهلاك طويل الأمد. أما المُحلِّيات الطبيعية مثل الستيفيا وفاكهة الراهب، فتتميّز بأنها مستخلصة من النباتات، وتحتوي على مركّبات ذات خصائص مضادة للأكسدة والالتهابات، كما أنها لا ترفع مستويات السكّر في الدم بشكل ملحوظ، ما يجعلها خيارًا مفضّلا لدى العديد من المستهلكين المهتمين بصحتهم.


تأثيرهما على سكّر الدم

من أبرز ميزات الستيفيا وفاكهة الراهب أنهما لا تسبّبان ارتفاعًا في مستوى الغلوكوز في الدم بعد تناولهما، على عكس السكّر العادي. وقد أظهرت الدراسات أن مستخلص فاكهة الراهب (Monk Fruit Extract) لا يؤثر بشكل ملحوظ على مستويات السكّر أو الإنسولين بعد تناوله، بينما تشير الأبحاث إلى أنّ الستيفيا قد تساعد في تحسين التحكّم بسكّر الدم عند استخدامها بدلا من السكّر التقليدي. لذا تُعدّ هاتان المادتان من الخيارات المناسبة للأشخاص المصابين بداء السكّري أو المعرّضين لخطر الإصابة به.


دورهما في التحكّم بالوزن

يرتبط استهلاك السكّر الزائد بزيادة السعرات الحرارية اليومية، ومن ثم بزيادة الوزن. لذا يمكن أن تساعد المُحلِّيات الطبيعية عديمة السعرات الحرارية في خفض إجمالي الطاقة المتناوَلة من دون التضحية بالطعم الحلو. وتشير الدراسات إلى أنّ استبدال السكّر بالمُحلِّيات منخفضة السعرات قد يساهم في تقليل الوزن ومحيط الخصر بشكل متواضع عند دمجه ضمن نظام غذائي صحي ومتوازن.

كما أظهرت بعض الأبحاث أنّ الستيفيا قد تساعد في تقليل الشهية والشعور بالجوع قبل الوجبات، بينما بيّنت الدراسات الحيوانية أن مركّبات فاكهة الراهب قد تقلّل تراكم الدهون وتحسّن حساسية الإنسولين.


التأثير على صحة الأمعاء

أحد المواضيع الحديثة في أبحاث التغذية هو تأثير المُحلِّيات على ميكروبيوم الأمعاء، أي البكتيريا النافعة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي. وتشير الدراسات الحالية في هذا الإطار إلى أنّ الستيفيا وفاكهة الراهب لا تسبّبان تغيرات سلبية واضحة في توازن البكتيريا المعوية. بل إن بعض الأبحاث الأولية يقترح أنّ مركبات الموغروسيد المتوفرة في فاكهة الراهب قد تمتلك خصائص بريبايوتيك (Prebiotic) تساعد على تعزيز نمو البكتيريا المفيدة مثل اللاكتوباسيلوس (Lactobacillus) والبيفيدوباكتيريوم (Bifidobacterium). إلا أنّ هذا المجال لا يزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات البشرية لتأكيد هذه النتائج.

وتعتبر الهيئات الصحية العالمية أنّ الستيفيا ومستخلصات فاكهة الراهب العالية النقاء آمنة للاستهلاك ضمن الحدود الموصى بها. فقد أقرّت "إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)" بمستخلصات فاكهة الراهب والستيفيا المكرّرة كمكوّنات آمنة للاستخدام الغذائي. كما جرت الموافقة على استخدام الستيفيا في أكثر من 60 دولة حول العالم. أما بالنسبة إلى الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، فتشير الأدلّة المتوفرة إلى أنّ استهلاك هذه المُحلِّيات ضمن الكميّات المعتدلة يُعتبر آمنًا، مع تأكيد أهمية عدم استخدامها كبديل من الغذاء المتوازن والغني بالعناصر الغذائية الأساسية.

وإلى جانب دورها في تحلية الأطعمة والمشروبات، تشير الأبحاث إلى أنّ المركّبات الفعّالة في الستيفيا وفاكهة الراهب قد تمتلك خصائص صحية أخرى، منها أنها مضادة للأكسدة وللالتهابات، ومساهمة في تحسين حساسية الإنسولين، وداعمة لصحة الكبد، ومساعدة في الوقاية من السُّمنة، وذات خصائص محتملة مضادة لبعض أنواع السرطان، إلا أن هذه النتائج لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية.


أيّهما أفضل؟

يتشابه المُحلّيان في كونهما طبيعيَين، وعديمَي السعرات تقريبًا، ولا يرفعان سكّر الدم. ومع ذلك، ثمّة بعض الفروقات المهمة. فالستيفيا أكثر انتشارًا وتوافرًا في الأسواق، وأقل تكلفة، ومدعومة بعدد أكبر من الدراسات العلمية، وقد تترك مذاقًا مرًّا أو معدنيًا خفيفًا لدى بعض الأشخاص. أما فاكهة الراهب فتمتاز بمذاق أقرب إلى السكّر الطبيعي، ولا تترك عادةً مذاقًا لاحقًا مزعجًا، لكنها أغلى سعرًا بسبب صعوبة زراعتها واستخلاص مركّباتها، وتحتاج إلى المزيد من الدراسات البشرية طويلة الأمد.

تمثل الستيفيا وفاكهة الراهب إذًا خيارَين طبيعيَّين واعدَين للراغبين في تقليل استهلاك السكّر والمحافظة على صحّة أفضل. وتشير الأدلّة العلميّة الحالية إلى أنهما آمنتان وفعّالتان في توفير المذاق الحلو من دون إضافة سعرات حرارية أو رفع مستويات السكّر في الدم. ورغم الفوائد المحتملة لهذه المُحلّيات، فإنها ليست حلا سحريًا للصحة أو لخسارة الوزن، إذ يبقى النجاح الحقيقي معتمِدًا على اتباع نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والحصول على نوم كافٍ، وتقليل استهلاك الأطعمة المصنّعة والسكّريات المضافة. بهذه الطريقة، يمكن أن تكون الستيفيا وفاكهة الراهب جزءًا من استراتيجية غذائية متكاملة تدعم الصحة على المدى الطويل.

www.dietcenterleb.com

[email protected]

Instagram: dietcenterleb

LinkedIn: Diet Center Lebanon