لم تكن علاقة لبنان بمحيطه العربي، خلال العقدين الأخيرين على نسقٍ ثابت، بل ظلّت في تقلبٍ دائم بين الودّ المعلّق والجفاء المعلن. وفي السنوات الخمس الأخيرة، انحدر المنسوب أكثر، فتأرجحت العلاقة بين القطيعة والقطيعة. تبدّلت حرارتها كما يتبدّل الضوء على مساحة النهار، من إشراقٍ واعد إلى خفوتٍ مقلق، حتى انطفأ خيط الضوء تمامًا. هكذا، بقيت الروابط معلّقة عند تخوم ذاكرة من ماضٍ مضيء مضى.
سنوات طويلة ظلّ فيها الجدار سميكًا، ولم تفلح محاولات فتح كوة. فتراكمت المسافات، وتعمّقت الهوة، حتى تحوّل الوصل إلى استثناء عابر، والقطيعة إلى واقعٍ شبه دائم.
ذهب عهد وجاء آخر، تغيّرت الأدبيات وتبدّلت النبرات، لكن ما تبدّل في القولِ، لم يجد طريقه إلى الفعل. فالعلاقة بقيت أسيرة "ذاكرة الجلد"، تحفظُ ملمس البعد، وتستعيد الحذر القديم كلّما لاحت فرصة اقتراب. لم يُسيّل ودّ العبارات إلى زيارات، ولا المجاملات إلى خطوات ملموسة، فبقي الودّ النظري يدور في فضاءٍ خطابي إنشائي.
اليوم، يُسجَّل لـ"ملتقى الإعلام العربي" في دورته الاستثنائية الحادية والعشرين، التي تفتتح أعمالها في بيروت، أنه يُسجِّل يوم عودة عربية رسمية وحقيقية إلى لبنان، تحت جناحي جامعة الدول العربية، وبحضور أمينها العام أحمد أبو الغيط، الذي ستكون له كلمة في الافتتاح.
لقد وجد وزير الإعلام المحامي د. بول مرقص، في "ملتقى الإعلام العربي" الذي اعتاد أن ينعقد إمّا في الكويت أو تحت سقف جامعة الدول العربية، فرصة لعودة مزدوجة طال انتظارها: عودة لبنانية إلى الحضن العربي، وعودة عربية إلى لبنان. وبمهارةٍ دبلوماسية، هندس جسر عبور في الاتجاهين، وأسبغ على الملتقى، حلّة سياسية ودبلوماسية استثنائية، تجاوزت إطار الملتقى المهني، إلى فضاء أوسع من المعنى والدلالة. لذلك، لن يكون "ملتقى الإعلام" اليوم ملتقى للإعلام فحسب، بل موعداً مع عودة تحمل في طياتها ما هو أبعد من الحدث الإعلامي. إنها عودة الدور، وعودة المكان، وعودة الثقة، إذ يستعيد لبنان مكانته الطبيعية كمنصة عربية جامعة، يقصدها العرب بلا خوفٍ ولا تردّد، بل بحنينٍ وثقة ومحبة متجدّدة.
فليس تفصيلًا عابرًا، أن يحضر إلى لبنان أكثر من مئةٍ وستين شخصية عربية، بين سياسية ودبلوماسية وإعلامية، في لحظة إقليمية دقيقة كهذه.
هذا الحضور الكثيف ليس مجرّد رقم، بل إشارة واضحة إلى الثقة بلبنان ودوره، وإلى الرغبة في إعادة وصل ما انقطع. ومن خلال البرنامج المعلن، يبدو أن إدارة المشهد ستتمّ بتناغم مدروس، محوره ثلاث كلمات محورية: كلمة رئيس الجمهورية، وكلمة أمين عام جامعة الدول العربية، وكلمة وزير الإعلام، بما يجعل المنبر مساحة مشتركة تجمع بين الدولة والجامعة والإعلام، أضف إلى رسائل ودّ متبادلة، وإن كانت الرسالة الأولى قد وصلت De bouche à oreille، حيث علمت "نداء الوطن" من مصادرها، أن أبو الغيط أبلغ رئيس الجمهورية أمس، أنه لا حرب إسرائيلية على لبنان، وأن الجامعة العربية ستكون لها إسهامات لضبط الوضع، وهي إشارة واضحة إلى دفء التواصل.