أبو زهير

منرجع إذا انهزمنا

دقيقتان للقراءة

أشهر طويلة مرّت من دون أن ألتقي صديقي أبو حيدر، الذي تعرّفت إليه في المقهى أيام الحرب الإسرائيلية الأخيرة المشؤومة. أعلنت الحكومة عن بدء سريان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، واختفى أبو حيدر من بيروت، عائدًا إلى الجنوب... لكنه ظهر قبل أيام، مبررًا عودته بالاشتياق لزيارة العاصمة بيروت، ولقضاء بضعة أيام لدى ابنته بتول لرؤية أحفاده.

رأيت أبا حيدر في المقهى كما تركته قبل نحو سنة: ينفخ دخان نرجيلته "النكهة" صعودًا، ويهز بقدمه اليمنى، ويلتقط فنجان قهوته البارد، بين الحين والآخر، ليرتشف منه رشفة صغيرة، ثم يعيده إلى مكانه بهدوء متمتمًا بضع كلمات عبارة عن أدعية وابتهالات من صنف: "يا الله ما إلنا غيرك"، "الحمدلله على كل شي"...

بعد عناق وقبلات، وتبادل لسفاسف الكلام وأطرافه، دخل أبو حيدر بالمفيد مباشرةً وبدأ الخوض في صلب الموضوع الذي يؤرقه ويقض مضجعه: "شو أبو زهير راجعة الحرب؟".

كانت المرة الأولى التي لم أعرف ماذا أجيب. شعرت في حينه، وكأنني تلك "الحجة" التي يتحدث عنها زياد الرحباني بمسرحيته "فيلم أميركي طويل"... فقلت له: "ستيريو، طلعت أنا الحجّة!".

لم يفهم أبو حيدر مغزى النكتة (يبدو أنه لم يكن متابعًا شغوفًا لأعمال زياد الرحباني) فاستدركت الموقف، وقلت له: "علمي علمك يا أبو حيدر... الكلام كتير بس القرار معروف وين يا غالي. عند أبو يائير".

استغرب أبو حيدر جوابي، فقاطعني سائلاً: "مينو هاض أبو يائير؟. ضحكت وقلت له: "المغضوب نتنياهو".

ثم أردف: "يا أبو زهير شيلك من هالمزح وتقل الدمّ هلقتني... خبرني، قولك رح نرجع على أرضاتنيه وبيتنيه؟".

ضربت كفًا بكف، واستغفرت ربي، وقلت له: "شوف يا أبو حيدر... إذا منبقى منتصرين هيك مش رح نشوف الجنوب كلو. بيرجع الجنوب إلنا، وأنت بترجع على بيتك وأرضك إذا انهزمنا".

لم يصدقني أبو حيدر القول، وظن أنني أسخر منه، فاستشاط غيظًا ورفس النرجيلة وعاد أدراجه إلى منزل ابنته، يكيل لي الشتائم والسُباب، لكنني لم أعرف السبب الكامن خلف غضبه، وإن كان بسبب صعوبة الإجابة أو لعدم استعداده لتقبّل الهزيمة حتى الآن.