لعب المحامي شاكر أبو سليمان دورًا محوريًا خلال سنوات الحرب، في تقريب وجهات النظر وإيجاد الحلول، لا سيما عندما كانت تشتد الخلافات بين الأفرقاء المسيحيين، وكان له دور هام عندما اشتدت الأزمة بين أفرقاء الصف الواحد في الشمال المسيحي عام 1978.
كان ذلك العام سيئًا جدًا على المسيحيين في لبنان، حيث شهد انقسامًا حادًا ما زالت تداعياته حتى اليوم، ورغم الجهود التي قامت بها بعض القيادات المسيحية لرأب الصدع، كانت المؤامرة أكبر بكثير.
كان يومها المحامي شاكر أبو سليمان رئيسًا للرابطة المارونية وشارك في تقريب وجهات النظر وتأخير القدر المحتوم: نجح في أماكن وفشل في أخرى.
أطل أيار من ذاك العام حاملًا معه حوادث أمنية متنقلة داخل المنطقة الشرقية، كانت بدايتها انفجار سيارة مفخخة في زغرتا. مساء الثلثاء 2 أيار، انفجرت عبوة كانت موضوعة تحت سيارة مرسيدس تخص جواد عنتر، متوقفة أمام أحد المقاهي، أوقعت 40 جريحًا نقلوا إلى مستشفيات البترون، طرابلس وجونيه.
اعتبرت يومها قيادات مسيحية، أن الانفجار رسالة دموية لزغرتا وخاصة للرئيس فرنجية: هل كان الهدف منها إبعاد فرنجية عن الجبهة اللبنانية؟
بعد أيام، شهدت محلة الهيكلية في ضواحي طرابلس، لقاء مصالحة بين الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي برعاية سورية وكان اللقاء الأول بينهما صيف 1975.
في ضواحي بيروت الشرقية عادت الاشتباكات بين تنظيمات "القوات اللبنانية" من جهة، والفلسطينية واليسارية في عين الرمانة وفرن الشباك والحدث، موقعة عددًا من القتلى والجرحى، وأضرارًا كبيرة في الممتلكات. وبدا واضحًا التموضع السوري الجديد إلى جانب القوى الفلسطينية واليسارية.
رافقت تلك الحوادث الأمنية إشكالات متنقلة غير مبررة بين تنظيمات "الجبهة اللبنانية"، كانت مدن وبلدات وشوارع المنطقة الشرقية مسرحًا لها، إذ راح ضحيتها عدد من المقاتلين والأبرياء.
على أثر تزايد تلك الإشكالات، دعا المحامي شاكر أبو سليمان إلى اجتماع عقد مساء الجمعة 26 أيار في مقر الرابطة المارونية شارك فيه: بشير الجميل، داني شمعون، أبو أرز، فوزي محفوظ "أبو روي" وعدد من المسؤولين العسكريين في أحزاب وتنظيمات: الكتائب، الأحرار، حراس الأرز، التنظيم اللبناني، درست خلاله التقارير الواردة من مختلف التنظيمات حول ما يحصل في المنطقة الشرقية، التي أكدت وجود طابور خامس مندس بين مقاتلي الجبهة اللبنانية، مهمته تغذية الأحداث التي تحصل، وتقرر في الاجتماع رفع الغطاء عن أي حزبي يشارك في أي أحداث داخل المنطقة الشرقية.
في الشمال، راحت الإشكالات تتوسع بين مناصري الكتائب ومناصري الرئيس فرنجية حيث سقط بنتيجتها عدد من الشبان، وكان مسرح معظمها الشركات العاملة في شكا.
كان لا بد للتأزم السياسي أن ينفجر على الأرض، خاصة وأصبح واضحًا أنه بعد حرب السنتين صار الاحتكام إلى السلاح من أبسط الأمور وأكثرها سهولة ورواجًا. وأصبح الجميع يتجول بحذر، وأضحت شركات شكا كأنها تقف على بركان قد ينفجر بين لحظة وأخرى، إلى أن أتى نهار الأربعاء 31 أيار.
على أثر خلاف بسيط في مطعم شركة الإترنيت في شكا، بدأ إطلاق الرصاص، ما أدى إلى استشهاد 4 شبان: جمال فرنجية وحبيب أيوب من أرده من أنصار فرنجية، وشابين كتائبيين: ريمون شينا من بقرقاشا ونبيل يوسف من شكا.
هال الجميع ما يجري ووصل التوتر إلى أعلى درجاته، وخافت فاعليات شكا وإدارات الشركات من نتائج ما يحصل، فأعلنت الإضراب الاحتجاجي نهار الخميس 1 حزيران، ومساءً أعلنت الإضراب المفتوح.
توسعت الاتصالات لمحاولة وقف مسلسل العنف بين الطرفين، وشاركت فيها معظم القيادات المسيحية. عصر ذاك الأربعاء، التقى المحامي شاكر أبو سليمان والشيخ قبلان عيسى الخوري البطريرك خريش ووضعاه في صورة الوضع وتخوفاتهما، فكلفهما السعي باسمه لمعالجة ما يحصل.
صباح الخميس 1 حزيران، دعا أبو سليمان الى اجتماع في مقر الرابطة المارونية شارك فيه: الشيخ قبلان عيسى الخوري و"أبو أرز"، وعضوا القيادة الزغرتاوية سليم كرم وسيمون بولس، والشيخ بطرس الخوري، وموسى برنس ومارون الحلو موفدين من الرئيس كميل شمعون، خصص لبحث مضاعفات ما يحصل في شكا، ثم جال المحامي شاكر أبو سليمان والشيخ قبلان عيسى الخوري على الرئيس كميل شمعون والرئيس سليمان فرنجية في مقره في النقاش، الذي كان عاد إليه أثر تعرضه لأزمة صحية، والشيخ بيار الجميل، ووزير الداخلية صلاح سلمان الذي أعلن، أن الجيش اللبناني سينزل إلى شكا للمشاركة في الحفاظ على الأمن.
ليلاً، زار أبو سليمان والخوري البطريرك خريش ووضعاه في صورة الوضع وتخوفاتهما، فكلفهما السعي باسمه لمعالجة ما. واتفقا معه على عقد لقاء مصالحة في بكركي يضم الأطراف المسيحية لانهاء كل ذيول الأحداث التي جرت والذي كان تم اقتراحه في الاجتماع الصباحي.
أثمرت مساعيهما عن لقاء مصالحة جرى نهار السبت 3 حزيران في بكركي رعاه وحضره البطريرك خريش وشارك فيه:
المطارنة: نصر الله صفير ورولان أبو جوده ومخايل ضوميط وأنطوان جبير، الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميل، وفد القيادة الزغرتاوية وضم النواب: رينيه معوض، الأب سمعان الدويهي، طوني فرنجية والسيدين: سليم كرم وسيمون بولس، وفد حزب "الكتائب" وضم: النائب أمين الجميل، النائب جورج سعاده، الشيخ بشير الجميل، رئيس مجلس أقاليم الشمال الكتائبية الشيخ يوسف الضاهر ونائبه جود البايع، وفد حزب "الأحرار" وضم: أمين عام الحزب دوري شمعون، الشيخ رشيد الخازن ونبيل كرم، إضافة إلى أبو أرز والشيخ قبلان عيسى الخوري والمحامي شاكر أبو سليمان واعتذر الرئيس سليمان فرنجية بسبب وضعه الصحي، معلنًا موافقته على ما يصدر عن المجتمعين.
استتبع بلقاء آخر عقد قبل ظهر الاثنين 5 حزيران، خرج بعده المطران نصر الله صفير وتلا بيانًا باسم المجتمعين، صاغه مع المحامي شاكر أبو سليمان، طالب فيه السلطة بتعزيز قوى الأمن والجيش على الأراضي اللبنانية، خصوصًا في شكا والبترون وضواحيهما، وإشاعة الأمن وبسط سيادة القانون على الجميع. وأعلن أن المجتمعين قرروا وضع كل إمكاناتهم في تصرف الشرعية لهذه الغاية، كما أعلن تشكيل لجنة مصغرة مؤلفة من: قبلان عيسى الخوري، شاكر أبو سليمان، أمين الجميل، جورج سعاده، طوني فرنجية، دوري شمعون. مهمتها البحث في أوضاع الشمال والوجود الحزبي فيه، واتخاذ التدابير اللازمة لتدارك حصول أي خلاف، بغية توطيد الاستقرار والعمل على تعزيز الوحدة اللبنانية. واتفق على تعيين المحامي شاكر أبو سليمان مقررًا لها.
لكن كل تلك الاتصالات لم تنفع، واغتيل جود البايع يوم الأربعاء 7 حزيران في مكتبه في بنك البحر المتوسط في شكا. فماذا قال شاكر أبو سليمان عن تلك الحادثة؟
(يتبع)