لم يكد حبر اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يجف حتى بدأ الجدل حول الجهة التي ستتولّى إدارة القطاع في المرحلة المقبلة، في مشهد يعكس هشاشة التفاهمات الميدانية والسياسية التي أنهت الحرب موَقتًا، لكنها لم تضع بعد إطارًا واضحًا لما بعد النار والركام. فها هو الاتفاق، الذي رعته الولايات المتحدة ومصر وقطر، يتعرّض لارتجاج "حمساوي" يفتح الباب أمام معركة جديدة من نوع مختلف: معركة على هوية السلطة المقبلة في غزة، في وقت يواجه فيه الاتفاق عقبات خطرة، خصوصًا بعد التصعيد العسكري الذي شهده القطاع أمس.
فبعدما سلّمت كلّ الدول العربية والغربية بألّا يكون هناك دور للحركة بعد انتهاء المرحلة التالية، وبعدما أعطى وفد "حماس" برئاسة خليل الحية موافقته على هذا المبدأ خلال لقاء مباشر مع الموفدين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، بحضور مديري المخابرات التركية والمصرية، ها هي الحركة اليوم تعتبر أن أي إدارة تقصي دورها هي مرفوضة وغير واقعية، باعتبار أن من دفع الثمن وقاتل لا يمكن أن يُستبعد من الحكم وإعادة الإعمار. وتعترض بشكل مباشر على الطرح الذي تدفع في اتجاهه الإدارة الأميركية لتشكيل سلطة فلسطينية من دون "حماس"، أي حكومة مدنية منبثقة من مؤسسات السلطة الفلسطينية، من دون أن تملك الحركة أي نفوذ مباشر داخلها.
في المقابل، تتحرّك القاهرة والدوحة لتسويق صيغة وسط، تقضي بتشكيل هيئة انتقالية من شخصيات فلسطينية مستقلّة، تتولّى إدارة الشؤون المدنية والإغاثية في المرحلة الأولى، على أن يتولّى الأمن، جهاز مشترك بإشراف عربي ودولي، يضمّ ضباطًا فلسطينيين سابقين وآخرين من دول عربية. غير أن إسرائيل ترفض أي صيغة تعيد لـ "حماس"، ولو جزئيًا، موطئ قدم في السلطة، وتضغط لضمان فصل أمني كامل بين الحركة والإدارة المقبلة.
المتحدّث الرسمي باسم حركة "فتح" الدكتور جمال نزال، يؤكد خلال حوار أجرته معه صحيفة "نداء الوطن" أن المشكلة الحقيقية اليوم تكمن في اعتراض إسرائيل على أن يكون للسلطة الفلسطينية أي دور في المرحلة المقبلة، وهذا يعارض كل الاتفاقات الموجودة، كما يعتبر انقلابًا على اتفاق أوسلو وعلى مؤتمر نيويورك، الذي أقرّ فيه دعم دولة فلسطين. ويضيف نزال أن "إسرائيل تعترض على أن يكون رئيس اللجنة التي من المفترض أن تدير غزة، وزيرًا في السلطة الفلسطينية". من هنا يوضح نزال أنّ إصرار حركة "فتح" على هذا الموقف يأتي بهدف الربط السياسي والإداري بين غزة والضفة الغربية، وهذا ما تسعى إسرائيل إلى كسره. كما أن "حماس" لا تظهر نفس الإصرار على أن يكون رئيس اللجنة وزيرًا في السلطة الفلسطينية.
لكن التحدّي الأعمق لا يتعلّق بالأسماء أو التركيبة بقدر ما يرتبط بطبيعة السيطرة الفعلية: من يدير المعابر؟ من يتحكّم بالمساعدات؟ وكيف يمكن لحكومة فلسطينية أن تعمل بفعالية وبتمويل خارجي مشروط وبإشراف أمني متعدّد الجنسيات؟ وفوق كلّ هذه التعقيدات السياسية، يلوح في الأفق خطر جديد يتمثل في هشاشة اتفاق وقف النار نفسه. فبينما يحاول الوسطاء الإقليميون والدوليون تثبيت الهدنة، يسود توتر متصاعد بعدما أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الجيش، بتنفيذ هجمات قوية في غزة، وهو يعتبر أن "حماس" تواصل خرق الاتفاق من خلال مماطلتها في تسليم جثث الرهائن الإسرائيليين.
في الواقع، تتعامل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الموقف بحذر بالغ. فترامب، الذي تباهى شخصيًا برعاية الاتفاق، تعهّد علنًا بأن الحرب توقفت. كما لن يسمح الرئيس الأميركي للطرف الإسرائيلي باستئناف الحرب من دون "ضوء أخضر". من يراقب الحراك الأميركي المكثف الذي شهدته تل أبيب الأسبوع الماضي، بدءًا بزيارة ويتكوف وكوشنر، مرورًا بزيارة نائب الرئيس جيه دي فانس، وصولًا إلى زيارة وزير الخارجية ماركو روبيو، يلاحظ جيّدًا أن كلّ هذه الزيارات تأتي لتثبيت اتفاق وقف النار الهش. إذًا، الرسائل الأميركية واضحة: أي محاولة لإفشال التفاهم ستعتبر تحدّيًا مباشرًا للإدارة الأميركية. وعليه، فإن انهيار الاتفاق يعني، بالنسبة إلى ترامب، خسارة إنجاز دبلوماسي يعتبره الأكبر في ولايته الحالية، وقد ينعكس سلبًا على المشهد الإقليمي والدولي معًا.
وبين هذه المواقف المتباينة، يقف قطاع غزة على مفترق طرق دقيق. فالاتفاق الهش الذي أوقف القتال لم ينهِ جذور الأزمة، بل كشف حجم التناقضات بين القوى المحلّية والإقليمية والدولية. ومع غياب رؤية موحّدة لإدارة القطاع، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة هذا الاتفاق على الصمود… أو سقوطه سريعًا تحت وطأة الحسابات السياسية والأمنية المتضاربة. وللأسف، عند كلّ مرحلة مفصلية تشهدها القضية الفلسطينية، يظهر التباين بين القوى الفلسطينية، وكالعادة ينعكس سلبًا عليهم وتبقى إسرائيل المستفيد الأكبر من هذا الانقسام. فإذا كان الشيطان يكمن في التفاصيل، فها هي "حماس" تكمن كمينًا محكمًا لتفاصيل المرحلة الأولى للاتفاق وتعدّ العدة لكمين أكبر في المرحلة الثانية منه، بعدما كانت قد وافقت على الاتفاق.