المحامي محمد آصف ناصر

القِبَّران

7 دقائق للقراءة

استعمل تجار سوق القمح في طرابلس القِبَّران (القبّان) لوزن أعلاف الدواب، فكان سمسار العلف يقف عليه، مرتديًا سترته ويقبض أجرة الوزن ليعتاش منها وعائلته. شقيقه الأصغر صاحب طموح التحق بالمدرسة الحربية وما لبس أن طرد منها وتحول في الحرب الاهلية إلى رمز من رموزها.

باستثناء مشهد القِبَّران وبزة الحربية، خلت ذاكرة عائلات العلويين من أي مشهد آخر عن هذه العائلة، فلا صورة ولا ذِكر حتى جاءت طعنة الخنجر في العام 1972، طعنة لم تخرق جسد الضحية بقدر ما اغتالت تاريخ طائفة وعائلات تعود جذورها إلى مئات السنين. طعنة حصرت وجود طائفة بما يشبه المخيّم، وتركت ندوب مرحلة غير مشرقة على جسد مدينتي طرابلس.

طعنة تسعى اليوم تحت شعار استعادة "عز العائلة"، مصادرة المستقبل وإبقاءه في ظلال الخوف.

في العام 1985 اشتهر المسلسل المكسيكي "أنت أو لا أحد" وفي العام نفسه اشتدت سطوة "العائلة"، فكان شعارهم وما يزال "نحن أو لا أحد" مع ما جره هذا الاحتكار من ويلات وندوب.

حاول المجتمع العلوي في أكثر من مرحلة التحرر من ثقل القِبَّران هذا وفي كل مرحلة أُلجِئَت النخب العلوية إلى الوسائل السياسية المتاحة لإظهار أن ثمة وزن آخر في الطائفة غير "العائلة"، باستثناء ثلة من الأوادم (أقصوا لاحقًا) لم تجد في النظام السوري السابق من يهتم بإقصاء "العائلة"، بل كان الثابت الحفاظ عليها كإحدى كراكيب الـ"متخت" التي ربما أعازك الزمن إليها. ولم تكن القضية العلوية حاضرة في وجدان أركان النظام وأُهمل العلويون كمجتمع، هذه الحقيقة تحدثت عنها في مقال لي نشر في الأخبار في العام 2008 بعنوان "العلويون في لبنان محنة المواطن في جمهورية الطوائف"، فكانت الهوية العلوية مخيرةً بين التهميش والموت، ليصبح الخيار اليوم بين الذِلّة والسِلّة.

أما في لبنان، باستثناء جماعة المكتب السياسي، فلا تجد في السلطة الحاكمة على اختلاف مشاربها من يهتم حقيقة بدراسة الواقع العلوي، فجميعهم يتعاطون مع الواقع هذا كما يتعاطون مع الانماء في طرابلس: "بسطحية". سطحية تتبدّى في استنباط ثقل الكراكيب في الطائفة، فتقرأ نتائج انتخابات المجلس الإسلامي العلوي لمصلحة الكراكيب في حين احتاجت أصواتهم الـ15 (من تركة المرحوم)، من أصل 114، إسناد الحج ليحارب النخب العلوية ويشتتها فيما كان رفقاء كاظم خنافر يرتقون شهداء على جبهة الإسناد.

أثبتت انتخابات المجلس، على خلاف ما يظهره الكراكيب، أن المجتمع العلوي خرج على طاعتهم، ولم يعد يقيم لهم وزنًا، فوزنهم الخفيف احتاج للتحالف مع تركة حزب البعث في المجلس وإسناد الحج، ومع ذلك خسروا بالنقاط في مقابل مرشح النخب الذي نال 49 صوتا بالرغم من غياب التنظيم وعدم تأطير النخب العلوية في إطار جامع، وقانون أعرج لتنظيم شؤون الطائفة، وحرص الكراكيب على استلاب المشهد العلوي.

نسخ النائب الأسبق علي عيد القانون 449/95 عن القانون 72/68 المؤسس على معايير المؤسسة الدينية لدى الطائفة الشيعية الكريمة، غير أن القانون 449/95 وسلوك الكراكيب اضطهد المؤسسة الدينية العلوية ونكّل بمرجعياتها الروحية، وما زال ممثلو الكراكيب في المجلس الإسلامي العلوي يعانون حساسية مفرطة تجاه عبارة "مرجعيات روحية علوية"، فبمجرد لفظ هذه العبارة تظهر عوارض التحسس على ألفاظهم فتحار أشيوخًا تخاطب أم سُوَقة. كما أن للكراكيب حساسية تجاه سلطان القانون وتطبيقه، فهم لا يحترمون حتى القانون الذي كتبوه، ففي ظل هذا القانون وخلال السنوات الأربعة عشر التي تلت إقراره، والسنوات الأربعة عشر التي تلت انتخاب أول رئيس، تم تعديل القانون أكثر من مرة لتقليص تمثيل النخب العلوية، وتم إصدار أكبر عدد من آراء هيئة التشريع والاستشارات لتفسير أحكامه المتناقضة. خلت أحكام القانون من معايير علمية تعكس الواقع الديني والشرعي في الطائفة وبالرغم من فوز الشيخ أسد عاصي بــ"التزكية" برئاسة المجلس لم تسمح الكراكيب بحجج غير مفهومة توليه الرئاسة وحالت دون صدور مرسوم التكريس ذات المفعول الإعلاني لا الإنشائي إلا بعد أن انقضت ولاية الهيئتين فأعادوا انتخابه بصورة غير شرعية في العام 2009 بالرغم من أن انتخابه تم شرعيا في العام 2007، وكأنهم حرصوا على امتداد 28 عاما على حماية انعدام الشرعية ومنع قوننة حتى ولاية الأشخاص المحسوبين عليهم.

فرضت الكراكيب تجاوز الهيئتين التفويض التشريعي في إصدار النظام الداخلي فلم يصدر خلال المهلة المنصوص عليها، إلى ان صدر معدوم الوجود، وبالرغم من ذلك ومن قرار المجلس الدستوري رقم 22/2019 الذي استبعد النظام الداخلي ووجه بإجراء الانتخابات وفق احكام القانون، فرض "الوصي على الطائفة" إجراءَها وفق أحكام نظام داخلي منعدم الوجود نتيجة انتهاك الدستور والسلطة التشريعية لتجاوز التفويض التشريعي، ونتيجة اغتصاب السلطة العامة لصدوره عن أشخاص لا صفة قانونية لهم بعد انقضاء ولايتهم فتم تعطيل نص المادة 8 من القانون 449/95 رغم طلب إجراء الانتخابات في ضوئه، وبُعِثَت الهيئتان وجاء "مجلس غازي" ليمدد سلطان الكراكيب على الطائفة الإسلامية العلوية.

هذا ما تحدث به همس الأزقة في جبل محسن، غير أن الحقيقة أن الحج استنفر طاقة حزب الله ليفرض على "الطائفة العلوية" من يعمل على هدم ما تبقى من تراثها. ففيما اصطف الوطن ملتحمًا في مقاومة العدوان، كان الحج يمسك على الأول في دبكة "انتصرنا على حيدر ناصر" في بناية القاضي فوق سوبرماركت الشريف في جبل محسن، مشهد سوريالي يسعى فيه المكتب السياسي إلى الانتصار على شركائه في الوطن في أتون حرب مدمرة مفروضة على هذا الوطن.

في مؤتمر الأقليات الأول في تل أبيب خرج علينا ابن قرية الغجر مفاخرًا باستيفائه حقوقه في ظل دولة الاحتلال، ويروج لشرق أوسط طائفي. في المقابل نقبع نحن، دعاة المواطنة والإنسانية، في أصفاد قانون الكراكيب وتحكُّم جماعة المكتب السياسي بمفاصل طائفة يُكَفِّرونَها ويحتقرون مرجعياتها الدينية ويهينونها. اجتهدت النخب العلوية على امتداد سنوات خمس في صياغة قانون جديد ينطلق من ثوابت الطائفة وأصولها، ويحاكي التحديات العصرية التي تواجهها ويعمل على مأسسة العمل فيها فيكون مظلة جامعة لكل أبنائها بدل من أن يكون أداة سلطوية بيد قلة منهم، يستعملونه لكسب الولاءات والتنكيل بالمخالفين. قانون الكراكيب يتم التوظيف في دوائره بناء على رضى الكراكيب التي تمارس الاقصاء والاستئثار وشراء الذمم بالوظائف، فأصبحت الوظائف أداة صرف نفوذ يستعان بها لكم الأفواه، وإذا لم تنفع يسلطون عددا من البلطجية على وسائل التواصل لقمع المخالفين.

رغم التحديات والصعوبات والتهديد والتهويل والابتزاز، أنجزنا العمل على اقتراح القانون، وقد نال الاقتراح موافقة أكثر من نصف أعضاء الهيئة العامة، وتم تسليمه إلى نواب الطائفة لعرضه على الهيئة العامة في مجلس النواب بصفة العجلة والتكرار، فلا عجلة أكثر من تحرير الطائفة ومعها طرابلس من سلطان وتأثير الكراكيب ومشغليهم، ولا ضرورة أكثر من حفظ البنية المجتمعية من عبث الخارجين على القانون. هذا الاقتراح أصبح بعهدة نواب الأمة، وعليهم التعويل في تحرير الطائفة من سلطان الكراكيب، إن إقرار هذا القانون أمانة في أعناقكم ومسؤولية تاريخية تجاه شعب مضطهد مظلوم ظلمه القريب قبل الغريب وقتله أبناؤه قبل أعدائه.

أقروا القانون يا نواب الأمة وانزعوا القيود عن سواعدنا ودعونا نبني مستقبلا أفضل للأجيال القادمة.