في بلدٍ أنهكته الأزمات المتلاحقة، وانحدرت فيه العملة إلى قاعٍ بلا قرار، يقف بعض اللبنانيين متعاطفين مع من سرق أموالهم، ودمّر مؤسساتهم، وضيّع مستقبل أولادهم. لا لشيء إلا لأنهم اعتادوا وجوه الجلّادين والمنافقين والدجالين والفاسدين حتى صاروا يرون فيهم المنقذين. إنها ليست مجرّد مفارقة، بل حالة جماعية من “متلازمة ستوكهولم اللبنانية”، حيث تتعاطف الضحية مع من خطفها، وتراه خلاصًا من خوفٍ كان هو نفسه صانعه.
نشأت هذه المتلازمة عام 1973 في السويد، عندما تعاطف رهائن أحد المصارف مع خاطفيهم ودافعوا عنهم أمام الشرطة. واليوم، يبدو أن لبنان يعيش نسخته الخاصة من تلك الحادثة، ولكن على مسرحٍ سياسي واقتصادي واجتماعي معقّد.
فالمواطن، بعد سنواتٍ من الانهيار والوعود الكاذبة، صار يبرّر للمسؤولين فشلهم، ويدافع عن الفاسدين، ويتّهم من يطالب بالمحاسبة بأنه “يهدد الاستقرار”. أما الفاسدون أنفسهم، فبلغوا من الوقاحة حدّ إعطاء دروسٍ في الأخلاق والمحاسبة، متكئين على ضعف الذاكرة الشعبية، وعلى جمهورٍ بات يتلقّى الإهانة كقدرٍ لا يُردّ.
الغريب حين ترى بعض المحامين ينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عن الفاسدين تحت راية "قدموا الاثباتات" وكأن سد المسيلحة الفارغ والهدر في ملف بواخر الكهرباء والفوضى في ملف الاتصالات والفساد في مصرف لبنان والكازينو والطرقات واعطاء رخص عشوائية لحفر ابار والاهمال والفساد الذي ادى الى انفجار المرفأ والتهرب الجمركي والتدخل الفاضح في عمل القضاء والاجهزة كلها امور طبيعية تحدث في اي بلد وليست فسادا واضحا.
ماذا ننتظر من شعبٍ يصدّق فاسدًا يعده بمحاربة الفساد؟
ماذا ننتظر من شعبٍ يدافع عن سدّ المسيلحة وسدّ جنة وبواخر الكهرباء؟
ماذا ننتظر من شعبٍ يبرّر الهدر ويهتف لزعيمٍ وعده بالمنّ والسلوى فقاده إلى جهنم؟
وماذا ننتظر من مجتمعٍ آمن بدجّالٍ مرة بعد مرة، وفي كل مرة قاده إلى الجحيم ذاته؟
قال الأجداد: “يلي بجرّب مجرّب بيكون عقله مخرّب”، ويُنسب إلى آينشتاين قوله: “الغباء هو أن تفعل الشيء نفسه مرّتين بالطريقة نفسها وتتوقع نتيجة مختلفة.”
فكيف يمكن لشعبٍ لا يُحسن المحاسبة، ولا يميّز بين الفاسد والصالح، ويصرّ على اتباع الجلّاد الفاسد لمحاربة الفساد، أن يتقدّم أو ينهض؟
كيف لبلدٍ نُهب أن ينهض، إن كان جزءٌ من شعبه يرى في اللصّ رمزًا للكرامة؟
وكيف لشعبٍ جُوّع وأُذلّ أن يستعيد وعيه، إذا صدّق أن جلّاده يحميه من “الأسوأ”؟
المأساة أن هذه المتلازمة في لبنان لم تعد تصيب الأفراد فقط، بل تفشّت كعدوى في المجتمع بأسره.
فالإعلام يروّج لصورة الزعيم “المظلوم”، والقطيع المساق بالعاطفة يتّخذه درعًا مقدّسًا، والمدرسة السياسية نفسها تُعيد إنتاج الحلقة ذاتها من الخوف والولاء والخذلان.
لن يتعافى لبنان ما لم يتحرّر من أسر هذه المتلازمة.
فالتحرّر يبدأ حين يُدرك المواطن أن من خطف لقمة عيشه، ونهب أمواله، ودمّر مستقبل أولاده، لا يمكن أن يكون هو نفسه المنقذ.
الوعي وحده هو السلاح الأوّل ضد الخطف، سواء تمّ بالسلاح أو بالشعارات.