إذا أردنا أن نلقي نظرة على المجالس النيابية المنتخبة خلال فترة الانتداب الفرنسي أو حتى بعده، أي في فترة الاستقلال حتى ثورة 1958، سنجد أن معظم النواب المنتخبين في هذه المجالس النيابية هم في الأصل بكوات وأمراء ومشايخ، سيطروا على الأرض والناس في فترة الحكم العثماني، ثمّ مع ظهور الدولة الجديدة وتراجع دور ونفوذ الإقطاعية فيها، سيطروا على مراكز النفوذ في هذه الدولة.
كثيرون هم أولئك الذين تصدّروا المشهد السياسي في تلك الفترة، بعضهم ضَعُف مع الوقت وبعضهم الآخر ما زال موجودًا في التركيبة السياسية اللبنانية حتى يومنا هذا، نذكر بعضًا من هذه العائلات: بدءًا من آل الصلح وآل كرامي وآل الخازن وآل الزين وآل فرنجية وصولًا إلى آل الأسعد وآل أرسلان وآل جنبلاط وغيرهم من هذه العائلات الإقطاعية.
في عهد الرئيس كميل شمعون، بدأت الأمور تتبدّل وتتحوّل، خصوصًا مع سلسلة من التغيرات الدولية والإقليمية، بدءًا بانتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء ما عُرف بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، ثمّ التحول العميق في الأنظمة السياسية في دول المنطقة، مع تبدّل في مراكز القرار، وسيطرة العسكر في مصر واستحواذ فيما بعد عبد الناصر على الحكم، وصولًا إلى ظهور أفكار سياسية-دينية في المنطقة كان أبرزها الإخوان المسلمون والسلفية وبدء انتشارهما بين الشباب الجامعي، وانتهاءً بظهور صراع الأيديولوجيات في الساحة العربية، حيث بدأ يأخذ هذا الصراع حيّزًا كبيرًا من تفكير الشباب العربي حينها (الشيوعية والليبرالية والرأسمالية وغيرها).
كانت بيروت في هذه الفترة قد بدأت تنمو ومعها ضواحيها، وتوسّع تعليمها الجامعي مما خلق قاعدة انتخابية أقلّ زبائنية لدى الإقطاعيين، وساهم في خلق إطار سياسي فكري للشباب، للتنافس على أساس أيديولوجي وعقدي وليس على أساس زبائني صرف.
بعد ثورة 1958 واختبار اللبنانيين حربًا "ميني أهلية" ودخول الكثير من اللاعبين الإقليميين على خط المصالح اللبنانية، شهدت المجالس النيابية بعد هذا التاريخ تحوّلًا كبيرًا مع دخول نواب خارج الزعامات التقليدية، مما جعل الصراع الأيديولوجي والعقدي بين هذه الأحزاب أكثر حدّةً، أبرز هذه الأحزاب كان: حزب الكتائب اللبنانية، الحزب القومي السوري الاجتماعي(شخصيات قريبة فكريا من الحزب)، الكتلة الوطنية، الحزب الاشتراكي وغيرهم، كل هذا لم يؤدِّ حُكمًا إلى الانتهاء من الحالة الإقطاعية التي ستسود طويلًا.
صحيح أنّ الانقسام الأيديولوجي بين الأحزاب السياسية اللبنانية برز سنة 1958، حين حصل اشتباك بين الجيش اللبناني ومعارضين لحكم الرئيس كميل شمعون، الذي سرعان ما حسم التدخل الأميركي (المارينز) الصراع لصالح شمعون على حساب الثورة. لكنه بدأ يظهر نتائجه تباعًا مع كل مرحلة حساسة تمرّ بها البلاد، من اتفاق القاهرة والحرب الأهلية اللبنانية وصولًا إلى اتفاق الطائف ومرحلة السوريين وانتهاءً باستشهاد الرئيس رفيق الحريري وأخيرًا ثورة تشرين 2019.
صراعٌ كشف مدى الهوّة الفكرية الحقيقية بين اللبنانيين، لذا عمدوا جميعًا لتأسيس أحزاب سياسية تدعم هذه الاختلافات، فبدلًا من التحوّل من الإقطاعية التي تحكّمت بالمشهد اللبناني، أصبحنا في إقطاعية حزبية، "الزعيم" أو "رئيس الحزب" هو الإقطاعي الجديد لكن بحلّة أكثر عصرية.
في أوروبا على سبيل المثال، وخصوصًا بعد الحربين العالميتين، تبلور الحزب السياسي على أنه:
"تنظيم اجتماعي وسياسي يهدف إلى التعبير عن مصالح فئة من المجتمع ضمن الإطار الدستوري، من خلال برنامج واضح وأيديولوجيا محدّدة، لا من خلال الولاء الشخصي أو العائلي."
Maurice Duverger, Les Partis Politiques (1951)
يعني أنّ يكون الحزب هو وسيطًا مؤسّسيًا بين الدولة والمجتمع، وليس امتدادًا للطائفة أو البيت السياسي، أو الزعامة السياسية، كما هو الحال في لبنان.
مؤخرًا بدأ يتكشّف في وسائل الإعلام اللبنانية، أن هنالك شخصيات سياسية (نواب حاليون أو نواب سابقون)، حزبية تودّ الترشّح في الانتخابات النيابية المقبلة ضد أحزابها التي دعمتها مرارًا لأسباب خلافية بين رئيس الحزب والعضو، أو حتّى شخصيات ستترشّح ضد حزبها فقط لمجرّد أنّ الحزب سيعمد إلى استبعادها.
ليعود السؤال عن حقيقة وجود أحزاب سياسية مؤسّسية في لبنان، أم أنّها مجرد أداة في يد الزعيم الذي يُرشّح من يريد ويُزيل من يريد، حتى ولو كانت هذه الأحزاب تجري داخلها انتخابات تمهيدية، التي عادةً ما تكون شكلية وليس لها تأثير، فيصبح العضو فيها مضطرًا للترشّح ضدها في حال تم استبعاده من قبل "الرئيس" ليعمل لمصلحته كما يعملها الأخير؟