جاد الاخوي

لبنان بين تشخيص الخارج وصمته عن الأسباب

4 دقائق للقراءة

في منتدى "حوار المنامة" هذا العام، أعاد المبعوث الأميركي توم برّاك التذكير بموقف بلاده من الوضع في لبنان، واصفًا إياه بـ"الدولة الفاشلة" التي تعاني من أزمات سياسية واقتصادية عميقة. كلام ليس جديدًا في ذاته، لكنه يكتسب دلالات إضافية حين يصدر عن طرفٍ يُفترض أنه شريك في دعم الاستقرار والإصلاح.

فلبنان، بلا شك، يمرّ بمرحلة انهيارٍ بنيويّ غير مسبوق، لكن السؤال الحقيقي ليس في توصيف الأزمة، بل في تحديد من يملك الجرأة على تسمية مسبّبيها.

قال برّاك إنّ الجيش اللبناني يعاني من نقصٍ حاد في الموارد المالية والبشرية، وإنّ "حزب الله" يجني أموالاً تفوق مخصصات الجيش، في إشارة إلى اختلال التوازن داخل الدولة. كما أشار إلى عمق الأزمة المصرفية والمالية التي تضرب البلاد منذ سنوات، مؤكدًا أنّ الوضع يزداد تعقيدًا بدون إصلاحات فعلية. كل ذلك صحيح، لكنه نصف الحقيقة فقط.

فالفشل في لبنان ليس وليد غياب الإصلاحات التقنية، بل نتيجة منظومة سياسية محصّنة بتفاهمات داخلية وخارجية، تُبقي من هم في مواقعهم، مهما تبدلت الحكومات أو اشتدت الأزمات.

ولعلّ المراقب العادي لا يحتاج إلى كثير عناء ليدرك أنّ القوى التي تتحكم بمفاصل الدولة، وتدير إدارتها وفق منطق المحاصصة والمصالح، ما زالت تنعم بدعمٍ سياسي خارجي يقيها أي مساءلة حقيقية. فالحديث عن الفساد الإداري والتعطيل المؤسساتي يفقد صدقيته حين يتغافل البعض عن الدور المركزي لشخصياتٍ تمسك بالمجلس النيابي كأنه ملكية خاصة، وتتحكم في التعيينات والمناصب والموازنات وكأنها حصص شخصية لا مؤسسات وطنية.

وليس سرًا أنّ هذه الطبقة لم تكن لتستمر في إمساكها بالسلطة لولا مظلة الحماية التي توفّرها جهات دولية، تتحدث كثيراً عن "الإصلاح" و"الديمقراطية"، لكنها في الوقت نفسه تفضّل التعامل مع من يضمن لها الاستقرار الشكلي على من يجرؤ على طرح تغييرٍ فعليّ.

في المقابل، يبدو أنّ المبعوث الأميركي يخلط بين أسباب الفشل ونتائجه. فالسلاح الخارج عن الدولة هو نتيجة مباشرة لغياب الدولة نفسها، والعجز عن إنتاج مؤسسات حقيقية قادرة على فرض سيادتها. والحل لا يكون بمجرد الدعوة إلى نزع السلاح، بل بإعادة بناء الثقة بالدولة التي فقدت هيبتها بسبب التواطؤ المزمن بين السياسيين وراعِيهم الخارجي.

إنّ أي حديث عن استقرارٍ مستدام لن يكون ذا جدوى ما لم يُقرَن بإرادةٍ حقيقية في كسر الحلقة المقفلة التي تحكم البلد منذ ثلاثة عقود، حيث يتبدّل الخطاب ولا يتبدّل الفاعلون.

أما في ما يتصل بالحدود الجنوبية، فقد قال برّاك إنّ إسرائيل مستعدة للتوصل إلى اتفاق حدودي، لكنه استغرب غياب الحوار المباشر بين الجانبين. هذا الطرح قد يبدو واقعياً من منظور دبلوماسي، لكنه يتجاهل أنّ أي مفاوضات لا يمكن أن تُبنى على تفاوتٍ في القوة والشرعية. فلبنان يعيش تحت وطأة الانقسام والضعف، بينما يواجه ضغطاً عسكرياً واقتصادياً يومياً.

وبدل التركيز على شكل الحوار، ربما الأجدى التساؤل عن مدى استعداد المجتمع الدولي لمساعدة لبنان على استعادة قدرته التفاوضية من موقع الدولة، لا من موقع الطرف الضعيف المحاصر بأزماته.

ما يحتاجه لبنان اليوم ليس المزيد من التشخيص الخارجي، بل اعترافًا صريحًا بأنّ جزءًا من هذا الفشل هو نتاج حسابات دولية متشابكة، أبقت منظومة السلطة على قيد الحياة، ومنعت أي عملية إصلاح حقيقية من التقدّم.

فالإصلاح لا يبدأ من النصائح، بل من رفع الغطاء عمّن تسببوا بالانهيار، وعن الذين يغلقون مجلس النواب متى شاؤوا ويفتحونه متى اقتضت مصالحهم، تحت شعارات الديمقراطية والتمثيل.

كلام توم برّاك قد يعبّر عن قلقٍ مشروع تجاه لبنان، لكنه يفتقد إلى الشجاعة والدقة الكاملة في الاعتراف بالأسباب. فالدولة لا تُبنى بالتحذيرات، بل بالمحاسبة، وبكسر شبكة الحماية التي ما زالت تقي رموز التعطيل من أي مساءلة، داخلية كانت أم خارجية.