يختلف جوزاف عون وأحمد الشرع في مسارهما نحو السلطة. البندقية الشرعية أتت بعون والبندقية الثورية خاضت غمار ألف معركة ومعركة مع مثيلاتها من التنظيمات المتطرفة قبل أن تتجه من إدلب إلى دمشق.
ورغم ذلك تبدو الأبواب الدولية مشرعة أمام "الإرهابي القديم"، بينما، رغم الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني، لم يتح بعد لعون أن يقرع باب البيت الأبيض.
قد يُقال إن حجم سوريا من منظار جيوسياسي أكبر من حجم لبنان، ولكن الواقع في مكان آخر. لا يقل الدعم العربي والدولي لعون عن نظيره السوري، ولكن حيث أقدم الشرع لا يزال عون يتمهل. والشرع ليس أفضل حالًا إذا احتسِبت تعقيدات الداخل السوري. الأكراد مدعومون أميركيًا، والعلويون روسيًا، والدروز إسرائيليًا، وفي حين يستكمل الجيش اللبناني عدته وعديده، لا يزال الجيش السوري في مرحلة الفوضى والتشتت، حيث تبدو فرق "الإسلاميين الدوليين" أكثر تنظيمًا من الجيش النظامي.
لماذا العالم معجب بـ "ظاهرة الشرع"؟ وماذا فعل عون، أو لم يفعل، حتى يغدق توم براك على دولتنا لقب "الدولة الفاشلة" التي يرئسها جوزاف عون؟ من الواضح أن براك الأميركي، والذي يُقال إنه يحمل الهوية اللبنانية أيضًا، معجب بالرئيس السوري أكثر من إعجابه بابن بلده.
باختصار، ثمة قرارات أخذها الشرع، بينما ينتظر عون أن يتخذ "حزب الله" من تلقاء ذاته القرارات المطلوبة، والتي يعرف حتى الأطفال أنه لن يتخذها.
قد يُقال أيضًا إن الشرع يحكم وفق نظام رئاسي متحرر من دستور لا يزال قيد الكتابة، بينما عون مقيد بدستور "السلطة التشاركية". في المحطات المصيرية الرؤية أهم من الصلاحيات. والزخم أهم من مراعاة الخواطر. الأمور تسير باتجاهات عكسية، ويطغى على ما عداه، الكلام على إعادة ترميم المنظومة المسلحة، وعلى سلاح سيبقى شمال الليطاني.
وبدلًا من التركيز على الأهم، شارك العهد في المنازلة داخل السلطة التشريعية بما يعني أن تمرير مشروع قانون تعديل غرامات السير يكتسب أهمية موازية لمسألة السلاح.
ويُقال إن لقاء عون بترامب متاح إذا قبل لبنان مبدأ المفاوضات المباشرة التي يخوضها الشرع و"على راس السطح".
ما يريد أن يعرفه اللبنانيون هل المفاوضات المباشرة مرفوضة لأن "حزب الله" لا يريدها، أو لعدم اقتناع عند الحكومة والعهد؟ ثمة فارق كبير بين الأمرين والحقيقة غير واضحة. ما هو واضح أن إسرائيل لا تلح على التفاوض بقدر ما يلح الأميركيون، ومن نسق عملياتها العسكرية يبدو التفاوض في مرتبة ثانية.
في المحصلة وضعنا اليوم يشبه ذلك الرجل الذي وعد بترميم جدار فكاد يتسبب بانهيار السقف، وبناء على دعوى من صاحب المنزل، خيَّره القاضي بين ثلاث عقوبات: أو يأكل سبعة "قرون حر"، أو "يأكل" سبع عصي على ظهره، أو يدفع سبع ليرات. في البدء اختار أكل الفلفل، ولكن عند "قرن الحر" الخامس جحظت عيناه واحترق فمه فتوقف وطلب أن "يأكل العصي". عند العصا الخامسة لم يعد يحتمل فقرر دفع السبع ليرات، وهكذا نال العقوبات الثلاث بدلًا من واحدة. اللهم نجنا من التجارب.