صدر عن "دار سائر المشرق" كتاب جديد ليوسف مرتضى بعنوان: "من الطوائف إلى المواطنة... رحلة لبنان في البحث عن الدولة". يُعيد مرتضى في كتابه تعريف الدولة ومدى مطابقة هذا التعريف مع واقع "دولة لبنان الكبير"، بعد 106 سنوات على نشأتها و100 سنة على دستورها الأول. ويستعرض الكتاب المحطات الأساسية من تاريخ لبنان الحديث، والعيوب الأساسية التي رافقت عهود ما بعد الاستقلال. أما في الفصل الخامس من هذا الكتاب، فيُسلّط الكاتب الضوء على النموذج الذي قدّمه عهد فؤاد شهاب، والذي لو اعتُمد ونجح لتمكّن من تأسيس دولة المواطنة المفقودة حتى الآن في لبنان. تنشر "نداء الوطن" جزءًا من هذا الفصل.
تعطيل الدستور والجنوح إلى بناء السلطة على حساب بناء الدولة هو السبب الجوهري في تحلل مؤسسات الدولة. المتابعة الدقيقة والموضوعية لمسار الحكم في حقبتَي الوصاية السورية ووكلائها تشير بوضوح إلى أنّ التدهور المتسارع والخطر والمتفاقم، الذي شلّ النظام السياسي في لبنان ومؤسساته الدستورية والقضائية والإدارية على السواء، ما كان يمكن ليحصل لولا تعطيل الدستور ومؤسساته.
إنّ حدود لبنان القانونية هي الرقعة الجغرافية التي يُطبَّق فيها القانون اللبناني، وهي حدوده الدولية كما يلحظها الدستور ويحميها، باعتباره الناظم لعمل جميع المؤسسات وصحة تطبيق القوانين الداخلية، وهو الضامن لالتزام الدولة اللبنانية بالمواثيق والمعاهدات الدولية تجاه الشرعيّتَين العربية والدولية. فحدود لبنان الداخلية ينظّمها القانون ويحميها بالقوة المسلحة الشرعية التي لا يشاركه فيها أي حزب أو جهة مسلحة خارج أطر المؤسسات الشرعية، وبضمان حقوق المواطن الفرد. غير أنّ تعطيل الدستور منذ بداية تنفيذ "اتفاق الطائف" أفقد الدولة دورها السيادي تجاه المجتمع الدولي، كما أفقدها حفظ حقوق المواطن واحترامها بفعل تنامي "ثنائية التابع والمذهب" المعطِّلة لفعل الدولة. من هنا أرى أنّ لبنان، كدولة في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، يسير باتجاه الدولة الفاشلة وفق المعايير الدولية المعروفة إذا ما استمر تجاوز الدستور، وهي:
1- عجز الدولة عن احتكار حصرية استعمال العنف على حدودها وضمن إقليمها.
2- فشل الدولة ومؤسساتها الشرعية في تأمين مصالح المواطنين وخدماتهم.
3- دولة يتفشى فيها الفساد السياسي والمالي بصورة متغوّلة.
4- دولة مبنية على إدارة فاسدة وعاجزة وعصيّة على الإصلاح.
5- دولة تتفشى فيها الجريمة بأشكال مختلفة وبنسب مرتفعة.
6- دولة يفقد القضاء فيها سلطته المستقلة ويصبح عاجزًا وأداة بيد الحكّام.
7- دولة يصبح فيها الزعيم، طائفيًا أم تقليديًا، متمتعًا بسلطة فوق سلطة الدولة.
في الخلاصة، كلّ ما ورد ذكره أعلاه هو نتيجة لتعطيل الدستور والقوانين أو الاستنساب في تطبيقهما، فإنّ الدولة اللبنانية وصلت إلى حافة الفشل المؤسساتي والغليان الأمني والإفلاس المالي. والخروج من هذا النفق المظلم يقتضي الإطاحة بالمنظومة الحاكمة الفاسدة المتكاتفة والمتضامنة على حساب مصلحة الوطن والمواطن. وهذا الأمر قابل للتحقيق عبر الوسائل الديمقراطية، أي عبر الانتخابات النيابية. والمدخل إلى ذلك هو العمل من أجل إقرار قانون انتخابات نيابية يؤمّن التمثيل العادل للمواطنين، وليس هناك أعدل من قانون المجلسَين الذي تنصّ عليه المادة 22 من الدستور: قانون نسبي لمجلس نيابي خارج القيد الطائفي، ومجلس شيوخ يمثّل الطوائف بالتساوي، مع اعتماد المحافظة دائرة انتخابية للمجلس النيابي، ولبنان دائرة واحدة لمجلس الشيوخ، وأن يتضمن القانون البطاقة الإلكترونية والميغاسنتر، بحيث يتمكن المواطن من المشاركة في الانتخابات من مكان سكنه.
بعد هذه القراءة المكثفة لتاريخ لبنان الحديث، من دولة فخر الدين الثاني الكبير إلى دولة الاستقلال عام 1943، نستخلص أنّ هذا لبنان لم تكتمل فيه العناصر القانونية المتعارف عليها دوليًا، ليكون دولة كاملة الأوصاف. وهي الأرض المحددة جغرافيًا، والشعب، بصرف النظر عن تعدديته، والنظام المنبثق عن إرادة الشعب.
هل يمثّل عهد العماد جوزاف عون بارقة أمل في إرساء أسس بناء دولة لبنانية كاملة الأوصاف؟
بعد سنتَين ونيّف من فراغ في سدة الرئاسة وتعطيل مختلف مؤسسات الدولة الدستورية والمؤسسات العامة، وبعد "حرب إسناد غزة" التي أقدم عليها "حزب الله" في الثامن من تشرين الأول عام 2023، مواكبة لعملية "طوفان الأقصى" في غزة، والعدوان الإسرائيلي على لبنان بعد ذلك، الذي أوقع خسائر فادحة بـ "حزب الله" واللبنانيين في الأرواح والبنى التحتية، وهجّر مئات آلاف اللبنانيين من منازلهم في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية، وشلّ الحياة الاقتصادية في البلاد، فضلا عن تمكّن القوات الإسرائيلية من احتلال أراضٍ لبنانية بعد أن كان لبنان قد أنجز مهمة تحرير أرضه في العام 2000، انتهت هذه الحرب على لبنان، التي امتدت 66 يومًا، باتفاق لوقف الأعمال القتالية بين لبنان وإسرائيل، يُلزم لبنان بتنفيذ القرار الأممي 1701 بكل مندرجاته، بما في ذلك القراران 1559 و1680، كما يفرض حصرية السلاح بيد مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وحلّ جميع الميليشيات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها إلى أجهزة الدولة. وفي مقابل ذلك، توقف إسرائيل عدوانها على لبنان، وتتوقف خروقاتها للأجواء والأراضي اللبنانية، وتنسحب من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة، وتفرج عن الأسرى اللبنانيين لديها، وتنسحب إلى خط الهدنة المرسّم بين لبنان وفلسطين المحتلة في العام 1949، وتستكمل بذلك إزالة جميع نقاط الخلاف بين لبنان وإسرائيل في الحدود البرية والبحرية، وكذلك ترسيم الحدود البرية والبحرية مع سوريا، وكذلك تصحيح ترسيم الحدود البحرية مع جزيرة قبرص. هذا الاتفاق أُقرّ بضمانة "الخماسية الدولية" (الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والسعودية، ومصر، وقطر، ويشرف عليه ضابط أميركي).
في هذه الأجواء انتُخب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية في 2025/1/9، باقتراع جميع الكتل النيابية له، ما عدا كتلة "التيار الوطني الحر" برئاسة جبران باسيل.
تعهّد رئيس الجمهورية جوزاف عون، في خطاب القسم، الالتزام بتطبيق دستور اتفاق الطائف بكل مواده، من دون استنسابية أو اجتزاء، ووضع نهاية للخروقات الدستورية والقانونية التي شهدها لبنان في عهد الوصاية السورية وعهد هيمنة الثنائي "حزب الله" و "حركة أمل" بعد الانسحاب السوري، بالتواطؤ والشراكة مع أفرقاء المنظومة التي حكمت البلاد في تلك الفترة، انطلاقًا من التحالف الرباعي بين فريقَي الثامن والرابع عشر من آذار، إلى التفاهمات الثنائية: مار مخايل، ومعراب، وبيت الوسط.
وفي روزنامة خطاب القسم، الذي تبنّته في بيانها الوزاري حكومة الرئيس نواف سلام، وحاز على ثقة 90 نائبًا، تحقيق سيادة الدولة على حدودها بعد ترسيمها مع إسرائيل وسوريا، وعلى كامل تراب الوطن عبر القوى العسكرية والأمنية اللبنانية حصرًا، وأن تحقق بذلك ما هو متعارف عليه قانونيًا وتاريخيًا ودوليًا، أي احتكار الدولة للقوة الضامنة لفرض السيادة والقانون. وكذلك تطبيق المواد الدستورية الأساسية التي أُهملت في العهود السابقة، وفي أساسها المادة 95، أي تشكيل "الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية"، وتحقيق اللامركزية الإدارية، وإنهاء التوزيع الطائفي للوظائف، وإعداد قانون انتخابات نيابية يصحح التمثيل الشعبي وفق ما جاء في المادة 22 من الدستور. وكذلك إجراء إصلاحات بنيوية في الإدارات العامة ومكننتها، وتحقيق استقلالية القضاء العدلي والمالي والإداري، بما يحرّر القضاء من سطوة السياسيين، ويطلق عجلة المحاسبة، وينهي سياسة الإفلات من العقاب. ووضع سياسة مالية جديدة تنهي "اقتصاد الكاش"، وتعيد الحياة إلى القطاع المصرفي وفق ضوابط قانونية تسمح بإعادة الودائع كاملة، وغير منقوصة، إلى أصحابها، ومحاسبة كلّ من ساهم في إهدار المال العام وسرقته. ووضع خطة تنموية اقتصادية اجتماعية، في ضوء ذلك، تضع لبنان على سكة التعافي الأمني والاقتصادي والاجتماعي.
إذا نجح عهد الرئيس جوزاف عون، وبالتعاون مع حكومة الرئيس نواف سلام والحكومات اللاحقة في عهده، في تنفيذ تعهداته في خطاب القسم، يكون لبنان قد خطا فعليًا باتجاه بناء دولة عصرية مكتملة الأوصاف، كما عرّفناها في الفصل الأول من هذا الكتاب. وأي تقصير أو انتكاسة في ذلك سوف يعيدنا إلى دوامة "دولة المزرعة"، وبالتالي إلى دوامة الأزمات والحروب التي عاشها لبنان منذ تأسيسه في العام 1920.
وبدون أدنى شك، سيكون للوصاية الأميركية التي فُرضت على لبنان بنتائج "حرب إسناد غزة" دور مفصلي في مسار عملية إعادة بناء الدولة في لبنان، وكذلك للتطورات المحيطة بنا في الإقليم. وهذا ما ينبغي أن يتنبّه إليه اللبنانيون، حيث إنّ في وحدتهم فقط يمكن الحدّ من التأثير السلبي الخارجي، من أي جهة أتى، على مسار إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات، السيدة المستقلة التعددية الديمقراطية العادلة.
