د. بولا أبي حنا

جيل المواطنية... حين يصبح التلميذ مشروع وطن

5 دقائق للقراءة

عرفتُ عن هذا المشروع من الإعلام، لا من القصور ولا من أصحاب المبادرات، ولكن من خلال متابعة صادقة لكل ما يمكن أن يحمل بذرة أمل في زمنٍ مثقلٍ بالخيبات.

من القصر الجمهوري، أطلقت السيدة الأولى نعمت عون مشروع "المدرسة المواطنية"، في مبادرة وُصفت بأنها جسر تواصل بين الدولة والشباب عبر المؤسسات التربوية.

مشروع بسيط في فكرته، لكنه ثوري في طموحه، كما قالت عون، إذ يحوّل المدارس إلى مختبرات تصنع الوطنية، ويهدف إلى زرع روح الانتماء والمسؤولية في جيلٍ أنهكته الانقسامات.

وقد خاطبت السيدة الأولى المدراء والمعلمين وذوي التلاميذ بصدق، معتبرة إياهم أعمدة في هيكل الوطن، داعيةً الشباب إلى الانضمام لجيل المواطنة لبناء لبنان الوحدة والعدالة والقوة.

ولعلّ ما يميز هذا المشروع أنه ليس عملاً بروتوكوليًا عابرًا، بل محاولة حقيقية لإعادة بناء الرابط بين المواطن والدولة، في زمنٍ تآكلت فيه الثقة وتراجعت فيه القيم العامة أمام الانقسامات الطائفية والمصلحية.

وفي بلدٍ يتخبّط بين أزمات سياسية واقتصادية وتربوية متلاحقة، يأتي هذا المشروع بمثابة نافذة أمل في زمن الفوضى.

ففي خضمّ أخبار تزوير الشهادات والتلاعب بالعلامات والفساد المستشري في قطاع التربية، يُطلّ مشروع "المدرسة المواطنية" كمبادرة لمعالجة الجذور لا الفروع، إذ يعيد تكوين مفهوم المواطن الصالح منذ مقاعد الدراسة. فلو كان الذين يزوّرون ويستغلون المناصب قد تشرّبوا منذ صغرهم مفهوم المواطنة، لما باعوا ضمائرهم ولا فرّطوا بسمعة وطنهم.

فالسيدة عون، كما يبدو من خلال مبادرتها، تداوي منبع العطب، أي تعالج أصل الداء: تزرع في الطفل حبّ الوطن ليكبر مواطنًا محصّنًا، لا تابعًا أو متواطئًا وبالتالي لن يهتز أمام الإغراء أو الفساد، بل يكون مشبعاً بمبدأ المواطنة.

ولا يمكن إغفال أنّ المواطنة هي الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة.

فهي ليست شعارًا انتخابيًا أو درسًا في التربية المدنية، بل هي، كما قال جان جاك روسو، "عقد أخلاقي بين الفرد والمجتمع"، وكما عبّر ألكسيس دو توكفيل "ممارسة الحرية بمسؤولية"، ورأى فيها أرسطو "المشاركة في حكم المدينة وحمايتها"، أما شارل مالك فاعتبرها "وعي الإنسان بأن كرامته من كرامة وطنه". من هنا، لا يمكن إلا أن نثمّن هذا التوجّه الذي يعيد الاعتبار للتربية كمحور إصلاح. فالمدرسة هي نقطة الانطلاق لأي نهضة، وجيل المواطنية هو نواة الدولة التي نحلم بها.

لكن، وبعيدًا عن الشعارات، يبقى التحدي الحقيقي في آلية التنفيذ:

هل سيُترجم المشروع عبر توحيد كتابَي التاريخ والتربية لتضمين مفهوم المواطنة كفصل نظري؟

أم سيكون تطبيقًا عمليًا حديثًا يجعل التلميذ يعيش المواطنة عبر أنشطة تفاعلية وتجارب تربوية واقعية تشدّه إلى حب الوطن بدل الاكتفاء بالتلقين؟ وهل ستُعتمد مقاربة تكنولوجية تواكب العصر وتُغري المتعلم بالمشاركة؟

إنّ المواطنة لا تُلقّن بل تُمارس، والمطلوب أن تتحول المدرسة إلى ورشة قيم، لا قاعة امتحان فقط.

لكن العقبات كثيرة: فكيف سيتعامل المشروع مع المناطق ذات الخصوصيات الفكرية أو الطائفية التي اعتادت أن تُقدّم ولاءات محلية على الولاء للوطن؟

هنا يظهر التحدي الأكبر، زرع المفهوم في بيئات متباينة لتوحيد الانتماء حول هوية لبنانية جامعة، لا حول زعامات أو حدود مناطقية.

رغم الانتقادات التي تطال عادة المراكز الأولى في الدولة، ولا سيّما موقع السيدة الأولى، والتي تتركّز غالبًا على المظاهر والصرف والظهور الإعلامي، إلا أنّ نعمت عون بدت مختلفة.

فقد ظهرت في مقابلاتها هادئة، صادقة، قريبة من الناس، تركّز على الإنسان لا الصورة، وعلى التربية لا المظاهر.

من يتابعها يرى نشاطًا متواصلًا يطال الطفل والتلميذ والطالب على السواء، وهي بذلك ترسم خطًا واضحًا: خدمة الوطن بالمواطن، لا بالكلام.

واليوم، ومع إطلاق مشروع "جيل المواطنية"، يمكن القول إنّ لبنان بدأ يعيد تربية نفسه من جديد.

ويا ليت هذا المشروع يمتدّ إلى الجامعات أيضًا، ليُستكمل مسار الوعي في المراحل العليا.

فالإصلاح الحقيقي لا يُبنى في المؤتمرات، بل في العقول الصغيرة التي ستقود الوطن غدًا.

ويمكن القول إنّ المواطنة الحقيقية تُقاس بمدى تقديم مصلحة الوطن على أي مصلحة خارجية، حين يبقى الوطن هو الأعلى، والهوية هي الأصل، والجذور هي الحصن. فالمواطن الذي يعي قيمة انتمائه لا يبيع وطنه، ولا يساوم على كرامته، لأن حبّ الوطن عنده ليس شعارًا بل التزامًا أخلاقيًا وفعلاً يوميًا.

ولعلّ ما نحتاجه اليوم هو تعاون جدّي بين رئاسة الجمهورية ووزارة التربية لتفعيل هذا المشروع وضمان استمراريته، بعيدًا عن الزهو الإعلامي، فـالعبرة بالتنفيذ لا بالتصريحات.

لقد آن الأوان لنكون إيجابيين، نضيء على بادرة الأمل حين تلوح، وندعم كل جهد مخلص يُعيد إلى لبنان هيبته التربوية ووحدته الوطنية.

فكم من سياسي رفع شعار "الإصلاح والمواطنة والكفاءة"، ثم نسيه عند أول امتحان!

لكن، إنّ اليد التي رُفعت اليوم نحو الطفل والتربية، تستحق أن تُصفّق لها لا أن تُشكّك بها، ما دامت تمضي على الطريق الصحيح.

ومن هنا يبدأ الإصلاح، حين يصبح التلميذ مشروع وطن... وحين يرفع التلميذ يده، يبدأ الوطن.


أستاذة جامعية