بعدما نشرت "نداء الوطن" الأربعاء الماضي، فصلًا من الجزء الأول من مذكّرات النائب والوزير السابق كاظم الخليل، تنشر اليوم فصلًا من الجزء الثاني من كتاب "مذكّراتي" الصادر عن "دار سائر المشرق". في هذا الجزء الذي يمتدّ بين العامَين 1958 و 1976، يروي الخليل خلفيّة إشكالاته مع "المكتب الثاني" في الجيش اللبناني وإسقاطه في أكثر من انتخابات نيابيّة. كما يكشف في الكتاب عن حياكته الدقيقة لـ "الحلف الثلاثي" الذي أطاح "النهج الشهابي" سنة 1970، والمناورات التي رافقت جلسة الانتخاب الرئاسيّة في ذلك العام.
كانت المفاجأة حينما ابتدعت عبقرية الشهابيّين اللعبة الآتية: قبل ثمانٍ وأربعين ساعة من موعد الانتخاب، وبينما كان نواب الحزب مجتمعين برئاسة الرئيس شمعون في منزلي في عاليه، وإذ بالهاتف ينبئنا أن صائب سلام على الطرف الآخر منه. فبادرتُه فورًا:
- لقد استلمتُ القائمة التي أرسلتَها لي مع أحمد إسبر والتي فيها أسماء النواب المؤيّدين لترشيح العميد إدّه.
- ليس الغرض من الاتصال هذا الموضوع، بل لديّ حديث جديد أريد أن أعرضه عليكم. منذ ساعتَين دخل علينا، نحن النواب المستقلّين، نواب شهابيّون من بينهم نسيم مجدلاني وعبد اللطيف الزين وأخوه وثلاثة آخرون. وأعلنوا أنهم يؤيّدون ترشيح النائب سليمان فرنجيّة إذا أيّده نواب الحلف، وأنه بهذه الحالة يصبح نجاحه بالرئاسة مضمونًا. والمجتمعون الآن في منزلي عددهم سبعة عشر نائبًا، وجميعهم يؤيّدون النائب فرنجيّة وها هم يسمعون حديثي.
- من سمّيتهم لي من أشدّ المتحمّسين لتأييد الياس سركيس، فهل تركوه وأيّدوا سليمان فرنجيّة؟ بينما سركيس لا يزال يدير معركته من بيت عبد اللطيف الزين نفسه ونسيم مجدلاني من أشدّ المتحمّسين له.
- لقد أعلنوا تأييدهم لفرنجيّة، وهم مستعدّون لتوقيع تصريحٍ خطّي، ونحن وفرنجيّة مقتنعون بصدق تعهّدهم. وها هو فرنجيّة متجه إليكم ليطلب تأييدكم. فأرجو أن تستعمل حكمتك وألّا تدعه يعود إلّا راضيًا.
- مرحبًا به وسوف لا يعود إلّا راضيًا.
اِنتهت المخابرة. وكان الجميع يصغون إلى أجوبتي، فسألوني ما الخبر ومَن قصدتُ بقولي سوف لا يرجع إلّا راضيًا. قصّيت عليهم ما قاله سلام، فقالوا ماذا تقصد بقولك لا يرجع إلّا راضيًا؟
كلّكم تعلمون أنّ نسيم مجدلاني وعبد اللطيف الزين وأخاه ورفاقهم الذين حضروا إلى بيت صائب سلام من أشدّ النواب حماسة لتأييد الياس سركيس، وهم من الشهابيّين المتعصّبين، والياس سركيس يدير معركته الانتخابية من بيت عبد اللطيف الزين ولا يزال حتى الآن. ألا تستغربون هذا الانقلاب المفاجئ في تركهم الياس سركيس وتأييد سليمان فرنجيّة؟ أليست لعبة انتخابية بارعة لا يجوز أن نتركها تمرّ علينا؟ والمقصود منها أن سليمان فرنجيّة سيقتنع بصدق وعدهم له، وهو آتٍ إلينا يطلب منا بالمقابل تأييده، وأن الرئيس شمعون بعد أن أعلن ترشيحه بمؤتمرٍ صحافي وقطع مرحلةً باتصالاته واتفاقاته مع فريقٍ من النواب سيصعب عليه التراجع والانسحاب وتأييد فرنجيّة. وسيُجيبه، كما تفكّرون الآن، بأنك أنت وعدتني بتأييدي، وقد ترشحتُ اعتمادًا على تأييدكم هذا، وقطعتُ كلّ المراحل التي تعرفها وأمّنتُ أكثرية أصبح معها من المتعذر عليّ الانسحاب من المعركة. عندها سيعود سليمان فرنجيّة حاقدًا غير مقتنع. وفي أحسن الحالات، وإذا لم ينضمّ إلى صفوف الشهابيّين، سينسحب من تأييدنا، ويقبع في بيته، ومعه النواب فؤاد غصن والدكتور باخوس حكيم وحبيب كيروز و... إلخ. فينقص عدد النواب المؤيّدين لنا أربعة، ويصبح فشلنا مؤكّدًا ونجاح مرشح الشهابيّين مضمونًا. هذا إذا كان فعلًا عدد مؤيّدينا 52 نائبًا، إذ أعتقد أنّ مؤيّدينا لا يتجاوزون الـ 42 نائبًا. وإذا افترضنا أنهم 52 سيصبحون 48 وتصبح خسارتنا للمعركة مؤكّدة. ولذا فإني أفضل تأييد فرنجيّة على الخسارة وتحمُّل نتائجها. هذه هي اللعبة التي اعتمدها الشهابيون ولا سبب غير هذا يحمل النواب الذين ذكرتُهم على التخلّي عن تأييد سركيس.
من النواب من اقتنع بوجهة نظري، ومنهم من لم يقتنع وعارض الفكرة بعنف، لا لعدم اقتناعهم بوجهة نظري، بل بعامل خصومتهم مع فرنجيّة، كالأب سمعان الدويهي. اِستمرّ الرئيس شمعون مستمعًا لنقاش النواب، وظهرت عليه بوادر عدم الاقتناع أو أنه عز عليه أن يتنازل عن ترشيحه بهذه السهولة، بعد كلّ الجهود التي بذلها. ثم أخذ يناقشني ليقنعني بأنّ مؤيّديه 52 نائبًا.
فأجبته: "لو صحّ ذلك وخرج فرنجيّة منا، فلا يبقى معنا العدد الكافي لنجاحنا".
اِنسحاب الرئيس شمعون وتأييد فرنجيّة
ونحن نتناقش بالموضوع، دخل علينا سليمان فرنجيّة ومعه حبيب كيروز. فسأله أحد النواب إن كان لديه ما يبحثه مع الرئيس على انفراد، فأجاب بالإيجاب. عندها انسحب النواب، وبقيت أنا والرئيس شمعون وفرنجيّة وكيروز.
قال فرنجيّة: "إنّ عددًا من النواب الشهابيّين أتوا يعرضون عليّ تأييدهم إذا أنتم أيّدتموني. وقد أصبح عدد مؤيديّ المجتمعين في بيت صائب سلام سبعة عشرة نائبًا، فإذا أنتم أيّدتموني يصبح نجاحي مضمونًا. ولا أخفي عليكم أن بعض من تعتقدون أنهم معكم من النواب، كاذبون يعدونكم ويعدون الآخرين في وقتٍ واحد. وأنا أعرف بعضهم".
خشيتُ أن يُجيبه الرئيس شمعون بالرفض، ويصعب عليّ في ما بعد إقناعه. ويتركنا فرنجيّة حاقدًا فينضمّ إلى صفوف الشهابيّين أو يعتصم في منزله. لذا بادرتُه بالجواب، وقلت: "إذا كان النواب الذين ذكرتَهم صادقين بوعدهم لك، فمرحبًا بك، ونحن من أول المؤيّدين لك".
ثم أخذ الحديث الرئيس شمعون وقال له: "إنّ أخاك حميد تنازل لي عن ترشيحه لرئاسة الجمهورية سنة 1952، وأنا أبادلك التنازل بمثله، فأهلًا ومرحبًا بك".
قال فرنجيّة: "أشكركم، وأكرّر الآن، بأني لا أزال على موقفي منك ووعدي بتأييدك، فيما إذا تأمّنت الأكثرية لك وبأصواتي فأنسحب وأؤيّدك. أما نجاحي فيحتاج لمساعدتكم الفعّالة وتأمين تأييد "الكتائب" والعميد إدّه. وأعاهدك من الآن بأن تعاوننا في المستقبل سيكون مخلصًا وشاملًا".
أجبتُ: "إنّ العميد إدّه موجود في صوفر، وهو مصاب برشحٍ شديد، يمكنك أن تذهب إليه وتطلب تأييده".
وجّه فرنجية كلامه للرئيس شمعون وقال: "هل لديك مانع من أن أرافقك إليه؟". قَبِل الرئيس شمعون بكلّ ترحاب، وطلبا مني أن أتصل بـ "الكتائب" وأؤمّن تأييدهم وتأييد عادل عسيران.
هما ذهبا إلى صوفر، وأنا ذهبت إلى بكفيّا، وأخبرتُ الشيخ بيار الجميّل بما جرى. وأكّدت له أن اتفاقنا بتأييده كمرشح تسوية لا يزال قائمًا، رغم ترشيح فرنجيّة. وطلبتُ منه إرسال وفد من قِبَله لإبلاغ تأييده لفرنجيّة. ثارت ثائرته ورفض العرض وتأييد غير الرئيس شمعون، خصوصًا فرنجيّة. ودار بيني وبينه نقاش حاد طويل، ودلّلت له على عدم سلامة تفكيره، وأن وجود فرنجيّة على رأس الحُكم هو أفضل وأسلم. والحقيقة أني ارتحتُ لترشيح فرنجيّة، لأني أعتقد بأن للرجل خصالًا حميدة، وتربيته العائليّة كريمة. ولذا سيكون وجوده مقبولًا في رأس الحكم؛ لأني مؤمنٌ بأنّ الرئيس شمعون لا يتمتع بالأكثرية، وبأننا سنخسر المعركة، وإن ترشيح فرنجيّة أنقذ موقفنا، سيّما وأن هدفي من المعركة كلّها الحؤول دون وصول مرشح الشهابيّين. وهذا يتحقق بترشيح فرنجيّة أكثر من ترشيح الرئيس شمعون.
ثم زرتُ عادل عسيران في بحمدون. وقبل أن أفاتحه بالموضوع، بادر بلومي على مسلكي ومواقفي ضد الشهابيّين التي لا تجرّ عليّ إلّا الضرر والخسارة، معتبرًا أنه يكفيني ما لحق بي من أضرارٍ مادية وسياسية. وأخذ يقنعني بأن التعاون مع الشهابيّين أنفع وأجدى وأنّ مرشحهم سيفوز بالرئاسة وتزداد سيطرتهم على البلاد وستزداد ملاحقتهم لي ولمؤيديّ. وهو ينصحني أن أغتنم المناسبة الآن وأترك الحلف وأؤيّد مرشحهم، وإنه مستعدٌّ ليكون وسيطًا بيني وبينهم وأن يأخذ على عاتقه تعاونهم معي تعاونًا مخلصًا. ثم قال إنه زار الرئيس شهاب في اليوم السابق، وقد أكّد له أن مرشحه يتمتع بتأييد 57 نائبًا، و"الحبل على الجرّار وسيفوز بأكثريةٍ ساحقة ولا أحد من المسلمين يؤيّد مرشح الحلف خصوصًا إذا كان فرنجيّة".
شكرته على نصائحه القيّمة. وأكّدت له أن ما بيني وبين الشهابيّين تقرّر وانتهى أمره ولم يعد من مجالٍ للبحث فيه، وأنهم صبّوا جام غضبهم ولم يبقَ نوعٌ من أنواع التنكيل والأضرار لم ينزلوه بي. وأضفتُ:
- مع أني ما كنت يومًا إلّا راغبًا بالتعاون معهم ضمن نطاق قناعتي، وأنت أدرى الناس بذلك. لذا لم يعد من مجال لبحث هذا الموضوع الآن، خصوصًا بعدما قطعتُ كلّ مراحل النضال معهم وأقمتُ "الحلف الثلاثي" ليقف بوجههم ويأخذ بثأري منهم. وستكون باكورة نضالنا ضدهم بأننا سننزع منهم بكلّ تأكيد رئاسة الجمهورية. أؤكّد لك بأنّ مرشحنا ناجح ومرشحهم ساقط، لا محالة، وما قاله لك الرئيس شهاب مبالَغ فيه، وأسلوب من أساليب الدعاية الانتخابية. وأنا أُخبر الجميع كم من النواب يؤيّدون الشهابيّين وكم منهم يؤيّد "الحلف". أنا واثق بأن مرشحنا الذي أصبح الآن سليمان فرنجيّة، وليس الرئيس شمعون، سينجح بعدما انشق عدد من نواب الشهابيّين وأعلنوا تأييدهم لفرنجيّة وانضمّ هو إلى صفوفنا. لذا أنصح إليك أن تعود إلينا وتؤيّد فرنجيّة.

* في "فصل من كتاب" الأربعاء المقبل، تقرأون جزءًا ثالثًا وأخيرًا من مذكّرات الوزير والنائب السابق كاظم الخليل يتناول فيه بعض كواليس المداولات التي أفضت إلى ولادة "وثيقة الوفاق الوطني" سنة 1989، في مدينة الطائف السعوديّة.