مع اقتراب الاستحقاق النيابي، يعود السؤال الذي يشغل الأوساط السياسية والشعبية على السواء: تحت أيّ مظلة سيخوض السنة الانتخابات النيابية المقبلة؟ وهل بدأت ملامح مرحلة جديدة تتبلور بعد سنوات من الغياب والتيه السياسي؟
منذ انسحاب "تيار المستقبل" من الحياة السياسية وتراجع حضوره، بدت الساحة السنيّة وكأنها فقدت توازنها، لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن الفراغ لم يتحوّل إلى ضياع، بل إلى وعي متزايد بأهميّة استعادة القرار والدور. فالسنة اليوم بعد التجربة المريرة من الانقسامات والخيبات، باتوا أكثر وعيًا وإدراكًا لحاجتهم إلى مرجعية سياسية جامعة تنطلق من الداخل، وتستند إلى مظلّة عربيّة موجودة. في حين لم تستطع القيادات المحلية ملء الفراغ، وبقيت محصورة في جغرافيّتها، وغير قادرة على صياغة خطاب وطني جامع، والبعض منها ارتبط بتحالفات ظرفية مع السلطة، فيما فقدت القواعد الشعبية الثقة بمن يمكن أن يتحدّث باسمها.
غير أن المشهد لم يكن سوداويًا بالكامل، فالتحوّلات الإقليميّة من سقوط النظام السوري إلى تراجع محور الممانعة، وانكفاء المشروع الإيراني في المنطقة، فتحت الباب أمام مرحلة مختلفة. فالشارع السني لم يعد في مرحلة الدفاع، بل في موقع استعادة التوازن، وبات منفتحًا على مرحلة جديدة، بعد الشعور المتزايد أن زمن التهميش انتهى، وبرزت قناعة متنامية وخصوصًا لدى بعض النواب والشخصيات الذين ارتموا في حضن الممانعة لسنوات، أن الخلاص لا يكون بالتماهي مع محاور متعبة أو بالشعارات الانفعالية، بل بالعودة إلى الدولة التي تبقى طريق الخلاص الوحيدة لضمان الاستقرار والدور.
تعود المملكة العربية السعودية التي التزمت الصمت لسنوات مُراقبة المشهد اللبناني، لتؤكّد حضورها السياسي في لبنان، وهي الفاعلة إقليميًا ودوليًا، ومستندةً إلى قناعة بأن حماية لبنان تمرّ عبر إعادة التوازن إلى الساحة السنيّة. فالمملكة التي لطالما كانت الحاضنة التاريخية للسنة في لبنان، تبدو اليوم أكثر تمسّكًا بفكرة دعم الدولة لا الأشخاص، وبناء شراكة وطنية متوازنة بدل الزعامات الفردية. وهنا، تبرز المظلّة السعودية الإطار العربي الوحيد القادر على رعاية أي نهوض. فالمظلّة السعودية اليوم أكثر هدوءًا في أدائها، وتبقى المظلة الوحيدة القادرة على جمع السنة، والطرف الوحيد الذي يمتلك رؤية متماسكة لمستقبل لبنان.
ولأن المظلّة الخارجيّة وحدها لا تكفي، تكمن المشكلة في الداخل، وتلقفه الدعم الخارجي وترجمته مشروعًا سياسيًا حقيقيًا، حيث القيادات المناطقية التي لم ترتق إلى مستوى قيادة وطنية، وبقي كلّ زعيم محليّ أسير منطق منطقته، والقيادات السنيّة الحالية رغم حضورها النيابي والإعلامي، لم تنجح في بناء شبكة تنظيمية أو خطاب جامع يتجاوز الحسابات المحلية. وعليه، يطلّ اسم رئيس الحكومة نواف سلام كعنوان توافقيّ يحظى بإجماع سنيّ غير مسبوق منذ سنوات، مظلّلًا بالدعم السعودي، وذا خلفية دبلوماسية وقضائية تمنحه مصداقية داخلية وعربية ودولية، وهو ما يجعله نقطة التقاء بين المظلّة الخارجية الداعمة والمطلب الداخلي السنيّ بإعادة تنظيم الصفوف، وبلورة مشروع وطني جامع سقفه الدولة والمؤسّسات.
قد لا يكون سلام زعيمًا بالمعنى الشعبي للكلمة، لكنه يمتلك ما تفتقده الزعامات المناطقية: القدرة على مخاطبة الجميع من موقع الدولة لا الطائفة، وجمع السنة تحت مظلّة عنوانها الشرعية لا الزعامة. من هنا، يشكّل الإجماع على عناوين الشرعية والمؤسّسات، فرصة حقيقية لإنتاج المرجعية السياسية السنيّة على أسس جديدة قوامها الدولة، وأي مشروع سياسي انتخابي قادم لا بدّ أن يكون تحت هذا السقف وتلك المظلّة.
أمّا تجربة نواب "التغيير" السنة، فقد كشفت أن الحضور الإعلاميّ لا يصنع مشروعًا، فخطابهم بقي احتجاجيًا من دون خطة، ومواقفهم تراوحت بين المثالية والانفعال، ما أفقدهم القدرة على التمثيل الحقيقيّ، أو التواصل مع الشارع السني الذي يبحث عن رؤية واقعيّة تحفظ كرامته ودوره في الدولة.
تتشكّل اليوم داخل البيئة السنيّة، حالة من الوعي بين الشباب والفاعليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فهناك إدراك متزايد بأن المرحلة تتطلّب إعادة تنظيم الصفوف ضمن إطار جامع، وبأن الوقت لا يسمح بالمناورات الصغيرة والمراهنات الفردية، فالمعركة المقبلة ليست معركة مقاعد، بل معركة هويّة ودور.