أورنيلا سكر

بناء السلام وتسويق التسامح: حوار ديني أم أداة هيمنة

5 دقائق للقراءة

في العالم العربي والإسلامي اليوم، يختلط صراع الوجود مع صراع السرديات الكبرى. تحوّل الخطاب الديني من مساحة لفهم الآخر والتبادل المعرفي إلى أداة للسيطرة الرمزية، حيث يُستغل "حوار الأديان" أحيانًا كواجهة لتثبيت مشاريع الهيمنة الغربية، بدلًا من كونه منصة حقيقية للتفاهم والسلام.

فلا يمكن الحديث عن سلام بين الأديان دون اعتراف متبادل بالآخر، كما أكد الفيلسوف السويسري-الألماني هانس كينغ، الذي رأى أن الحوار بين الأديان ينبغي أن يقوم على العدالة والكرامة الإنسانية، وليس على الإملاءات الفكرية أو السيطرة الرمزية. ومع ذلك، غالبًا ما يتحوّل هذا الحوار إلى أداة لإعادة تعريف الآخر ضمن مقاييس غربية، مبتعدة عن الروح الحقيقية للتعددية الدينية.


الجذور التاريخية لحوار الأديان

بدأت تجارب الحوار العالمي في أواخر القرن التاسع عشر، مثل مؤتمر شيكاغو عام 1893، الذي جمع ممثلين عن تقاليد دينية شرقية وغربية لأول مرة. هدف هذه اللقاءات كان التعرّف المتبادل، إلا أن السياق الاستعماري الغربي وضع قيودًا ضمنية على شكل الحوار: فكان الحوار، وفق رؤية المستشرقين، وسيلة لتسويق قيم الغرب، مع الحفاظ على مركزية المعرفة الغربية وعدم السماح للآخر المهمّش بتشكيل خطاب مستقل.

في المقابل، قدمت الحضارة الإسلامية تجارب حوارية أصيلة، مثل المناظرات العباسية وبيت الحكمة، وتجربة الأندلس في العصور الوسطى، حيث عاشت الجماعات المسلمة واليهودية والمسيحية في تفاعل فكري وثقافي متوازن، ونقل علماء مثل ابن ميمون وجيراردو الكريموني أعمال الفلاسفة المسلمين إلى الغرب، ما شكّل جسراً معرفيًا حقيقيًا. كما أظهر الإمام محمد عبده في الأزهر مثالاً على محاولة تجديد الخطاب الديني من الداخل، بالاعتماد على العقل والفكر المستقل، لا على الاستجابة لتوجهات خارجية.


الاستشراق الجديد بعد 11 أيلول

شهدت بداية القرن الحادي والعشرين مرحلة جديدة من الاستشراق، أطلق عليها بعض الباحثين اسم "الاستشراق الأمني". بعد أحداث 11 أيلول 2001، تحوّل الإسلام في الخطاب الغربي إلى قضية أمنية، حيث لم يعد موضوعًا للبحث الديني أو الثقافي فحسب، بل تحديًا يتطلب احتواءه عبر الحوار، والتعليم، وإنتاج "إسلام معتدل" يخدم استقرار النظام الدولي.

في هذه المرحلة، توظف الحوار الديني أحيانًا لإعادة صياغة الإسلام بما يتوافق مع المصالح السياسية الغربية. مشاريع مثل "الوثيقة الإبراهيمية" و"بيت العائلة الإبراهيمية" في أبوظبي تقدّم نفسها كخطوات رمزية للتعايش، لكنها في العمق تعمل على تشكيل خطاب ديني قابل للتسويق، يتوافق مع رؤى سياسية واقتصادية، مع تقليل دور المقاومة الرمزية والدينية.

المستشرق الفرنسي لويس مسينيون، رغم تقديره للصوفية، تعامل مع الإسلام كدين ناقص يحتاج إلى اكتمال في المسيحية، بينما برنارد لويس اعتبر العنف جزءًا من بنية الإسلام التاريخية، ما أتاح تبرير سياسات إعادة تشكيل العالم الإسلامي. حتى المفكرون المعاصرون، مثل جون إسبوزيتو وأوليفييه روا، عملوا ضمن الإطار الأمريكي الذي يرى في الإسلام مشكلة يجب فهمها وإدارتها، لا شريكًا مساويًا في المعرفة العالمية.


"السلام الإبراهيمي" بين الرمزية والهندسة السياسية

اتفاقيات إبراهيم بدأت كصفقات سياسية بين إسرائيل ودول عربية، لكنها سرعان ما تحولت إلى مشروع ثقافي يستخدم الخطاب الديني لتسويق السلام كقيمة حضارية، مع إعادة تعريف جذور الهوية الدينية. إعادة توظيف شخصية إبراهيم في هذا السياق تعمل على توحيد رمزي للأديان، لكنها تخدم أهدافًا سياسية أكثر من كونها روحانية، ما يجعل الخطاب الديني الرسمي أداة توطين سياسي، على حساب خطاب المقاومة والخصوصية العقدية.

يترافق ذلك مع تفريغ ديني للخطاب، حيث يُحوّل "التسامح" إلى أداة لإعادة هندسة الممارسات الدينية، بما يسهّل الانسجام مع السياسات الدولية والعولمة الاقتصادية، ويحول الدين من مشروع روحي مستقل إلى منتج ثقافي أو أداة أخلاقية عامة.


التحديات والفرص

على الرغم من كثرة اللقاءات والمنتديات الحوارية، إلا أن ثقافة الحوار الحقيقية لم تتجذر. فغالبًا ما بقيت هذه اللقاءات شكلية وبروتوكولية، مع سيطرة الجهات السياسية على الخطاب، وتجاهل الهيمنة المعرفية الغربية. الردود الإسلامية على الحوار كانت غالبًا دفاعية أو تبريرية، ولم تنتج بعد لاهوتًا حواريًا مستقلًا يوازن بين التعددية واحترام الهوية الدينية.

ومع ذلك، يبقى أمام الفكر الإسلامي فرصة لإعادة بناء خطاب حواري عالمي قائم على العدالة والكرامة، من خلال:

• تطوير مناهج تعليمية تؤسس ثقافة الاختلاف بدل ثقافة الذوبان، مع احترام الثوابت العقائدية.

• صياغة مشروع معرفي يعكس روح الإسلام الأصيلة، بعيدًا عن ضغوط الاستشراق الجديد.

• تحصين الهوية الإسلامية ضد محاولات علمنة الروحانية وتحويلها إلى أدوات سياسية أو اقتصادية.


الحوار بين الأديان ليس مجرد شعارات عن التسامح، بل مسار لتحقيق العدالة الإنسانية والكرامة المعرفية. أي مشروع حوار يُدار من مراكز قوة خارجية سيكون واجهة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا سبيلًا لإرساء سلام حقيقي. فكما تقول غاياتري سبيفاك: “إن السماح للتابع بالكلام لا يعني أنه صار مسموعًا.”

الحقيقة تكمن في الاعتراف المتبادل بالآخر، والتمكين من إنتاج المعرفة الدينية والثقافية داخليًا، بعيدًا عن المشاريع الرمزية التي تخدم مصالح القوى الكبرى، ليكون الحوار حقًا وسيلة للسلام، لا غطاءً للسيطرة.

باحثة متخصصة في الدراسات الاستشراقية وحوار الأديان والثقافات والحضارات