الدكتور سايد حرقص

قراءة في ضمور الفكرة اللبنانية قبل انهيار الكيان

5 دقائق للقراءة

​منذ إعلان "دولة لبنان الكبير" عام 1920، ولبنان يعيش جدلية الوجود بين الحلم والواقع. فقد أراده مؤسّسوه وطنًا جامعًا، وكيانًا يحمل رسالة إنسانية وثقافية في قلب الشرق. غير أنّ قرنًا من التجارب والعواصف والانقسامات أثبت أنّ الحلم كان أكبر من قدرة النظام السياسي على احتوائه، وأعمق من قدرة عقول الكثيرين ممن حملوا هويته على استيعابه وفهمه وإدراك قيمته. فكلّ مرحلة من التاريخ اللبناني أعادت إنتاج الأزمة نفسها بأسماء وصيغ مختلفة، حتى صار السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال لبنان قادرًا على الاستمرار كدولة موحّدة؟ أم أنّه يسير بثبات نحو انهيارٍ يُمهّد لتقسيمٍ فعليٍّ، ظنّ اللبنانيون أنهم تجاوزوه بعد الحرب؟

​هذا السؤال ليس جديدًا؛ فقد حاول المؤرّخ الدكتور كمال الصليبي تفسير أبعاد الاختلاف في المجتمع اللبناني في كتابه الشهير «بيت بمنازل كثيرة». فلبنان، كما صوّره الصليبي، لم يكن يومًا بيتًا واحدًا متجانسًا، بل «بيتًا فيه منازل كثيرة» لا يجمعها سقف واحد إلا في الشكل. إذ تأسّس الكيان على روايات متباينة عن الماضي، وعلى موروثات متضاربة حول الهوية والانتماء.

فالموارنة رأوا فيه استمرارًا لتاريخٍ فينيقيٍّ يمنحهم تمايزًا عن محيطهم العربي، والسنّة اعتبروه اقتطاعًا من الجسد العربي الكبير، فيما تمسّك الدروز بجبلٍ يعبّر عن خصوصيتهم التاريخية. أما الشيعة، وبحسب الصليبي، فشعروا بأنهم «يسكنون في بيتٍ لم يشاركوا في بنائه، ولا تعكس مرآته صورتهم».

لذلك، فإن هذا السؤال لا ينطلق من نزعةٍ تشاؤمية، بل من قراءةٍ واقعيةٍ لمسار التآكل العميق الذي بدأ في بنية المجتمع اللبناني، ثم تمدّد إلى الدولة ومؤسّساتها، حتى صار يُهدّد جوهر الفكرة اللبنانية نفسها.

​فالصيغة اللبنانية، كما وُلدت عام 1943 وتعدّلت في الطائف عام 1989، لم تعد تمتلك مقوّمات البقاء. عناصرها البنيوية تفكّكت تحت وطأة الصراع الداخلي، والارتهان الإقليمي، والفساد المؤسّساتي، وضياع مفهوم السيادة.

لبنان اليوم ليس كما أراده الفرنسي عام 1943، ولا كما أراده السعودي في الطائف، والأهم أنّه لم يعد يشبه ما يحلم به شعبه الذي دفع أثمان كلّ الصيغ، من دون أن يجني استقرارًا أو كرامة.

فقد فشل النموذج الفرنسي الذي قام على تقاسم النفوذ الطائفي باسم "الميثاق الوطني"، وفشل النموذج السعودي في الطائف الذي كرّس التوازن المذهبي باسم حقوق الطوائف، ثم انهار النموذج الإيراني في عهد ميشال عون الذي تُوّجت فيه "المقاومة" سلطةً فوق الدولة، قبل أن يتبخّر مشروعها بعد "حرب الإسناد" التي انتهت بتحويل لبنان إلى ورقة محروقة بيد طهران.

لم يكن هذا الفشل سياسيًا فحسب، بل بنيويا. فالقضاء، الذي يُفترض أن يكون ركيزة العدالة، تحوّل إلى ساحة نزاع بين المرجعيات السياسية، كما ظهر في تحقيقات جريمة مرفأ بيروت.

والفساد الإداري لم يعد ظاهرة عابرة، بل صار منظومة قائمة بذاتها، بلغت ذروتها في فضائح مصرف لبنان زمن رياض سلامة وكازينو لبنان زمن رولان خوري، ووزارة المال وبواخر الكهرباء ومشاريع السدود الفارغة، وفي تواطؤ السلطة لحماية الفاسدين بدل محاسبتهم، كما في ظاهرة "متلازمة ستوكهولم اللبنانية" من خلال تعاطف القطيع مع فساد زعيمه.

أما الرشوة، فقد أصبحت ممارسة علنية، تُعبّر عنها شبكات تزوير الشهادات التي دمّرت ما تبقّى من سمعة التعليم في بلدٍ كان يُلقَّب بـ"جامعة الشرق".

هكذا سقطت الأعمدة الرمزية للدولة: القضاء، والاقتصاد، والتعليم. ومعها سقطت الثقة بلبنان الذي كان يُعرَف يومًا كمستشفى وجامعة للشرق، ليغدو وطنًا مشكوكًا في كلّ شيء فيه: في نظامه، في قيمه، وفي قدرته على الاستمرار.

أمام هذا الواقع، تُطرَح أسئلة وجودية تكشف عمق المأزق البنيوي:

هل لا تزال صيغة التعايش التي أُسّس عليها لبنان قابلة للحياة؟

هل استطاع "الميثاق الوطني" أو "اتفاق الطائف" إنقاذ لبنان من الانقسام؟

هل وجد لبنان بعد خروج الجيش السوري توازنه الوطني وإيمانه بنهائية الكيان؟

هل قرار الحرب والسلم لبنانيٌّ جامع، أم يُتَّخذ في مكانٍ آخر؟

وهل يمكن بعد الانهيار المالي والمصرفي أن يولد اقتصاد وطني مستقلّ حقًّا؟

الإجابات كلّها، للأسف، سلبية. ما يعني أننا أمام دولة لم تعد قابلة للإصلاح، بل مهيّأة للسقوط الكامل، وهو ما بدأ يُسوَّق له الموفد الأميركي توم براك ضمن رؤية دولية لإعادة رسم الكيانات في الشرق الأوسط.

لقد أصبح لبنان نموذجًا كلاسيكيًا لـ"الدولة الفاشلة": تملك علمًا ونشيدًا وحدودًا، لكنها فقدت السيادة على القرار، والشرعية على الفعل.

في مقالة بعنوان "تقسيم لبنان آتٍ لا ريب فيه؟" كتبها الصحافي المصري عماد الدين أديب عام 2021، أشار إلى أنّ وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو قال، وفق مصدر عربي موثوق عام 2019: "دعوا لبنان الحالي يسقط، فهذا أفضل احتمال، لأننا توصلنا إلى استحالة إصلاحه."

قد تبدو هذه الكلمات صادمة، لكنها تعكس قناعة دولية متزايدة بأن لبنان، بصيغته السياسية والاقتصادية الحالية، بات غير قابل للحياة.

​كتب المفكر اللبناني ميشال شيحا قبل قرنٍ: "لبنان فكرة قبل أن يكون دولة، وحين تضعف الفكرة تسقط الدولة". لهذا إذا لم تولد إرادة وطنية جديدة تُعيد بناء الشخصية اللبنانية الجامعة وتؤسّس لعقد اجتماعي عصري يعيد للفكرة معناها وللدولة مهابتها، فإن "لبنان الكبير" سيتحوّل حتمًا إلى "لبنان الصغير"، لا كمشروع انعزالي، بل كنتيجة طبيعية لوطنٍ أرهقته الحروب، وابتلعته المصالح، وسُلبت منه روحه، بعدما تخلّى عنه أبناؤه في خدمة هوياتٍ دينية وأوهامٍ إمبراطورية دفنها التاريخ.