أبدأ بهذه المقالة ضمن سلسلة مقالات تهدف إلى إطلاق نقاش فكري حر، وتحفيز القارئ على مراجعة ذاته وممارسة النقد والتفكير العميق. في عالمٍ يُعلي الضوضاء على العقل، والمجتمعات التي لا تنتج مفكرين تبقى أسيرة السطحية، يصبح دورنا ككتاب أن نساهم في صناعة المفكرين، لا مجرد القراء.
لطالما شكّلت مفاهيم "اليمين" و"اليسار" محور النقاش السياسي والفكري في كل المجتمعات الحديثة. باختصار، يمكن القول إن اليمين يرتبط غالبًا بالتمسك بالهوية التقليدية، والدفاع عن القيم المجتمعية الراسخة، واعتماد سياسات اقتصادية قائمة على السوق الحر والمبادرة الفردية. أما اليسار فيتجسد في الانفتاح على التنوع، والسعي نحو التعددية الاجتماعية والسياسية، وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، أحيانًا عبر سياسات تدخل الدولة لتوزيع الموارد وحماية الفئات الأضعف.
في سياق لبنان، حيث الأحزاب عادة براغماتية أكثر من كونها أيديولوجية، تصبح هذه التصنيفات أقل وضوحًا.
ومن هذا المنطلق، يجب التنويه بأن تصنيف الأحزاب اللبنانية ضمن معايير اليمين واليسار الفلسفية الغربية لا يعكس بدقة طبيعة الواقع السياسي في لبنان. فهذه التصنيفات، في سياقنا المحلي، تبقى أدوات جدلية لفتح النقاش وتحفيز التفكير، لا قواعد جامدة لتقييم الواقع. وهنا يكمن دور الكاتب اليوم: ألا يكتفي بوصف الأمور، بل أن يطرح جدلية التفكير المستمر، ويُشجّع القراء على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية بشكل نقدي، ليصبح النقاش وسيلة للتطور والوعي، لا مجرد تصنيفات أيديولوجية جامدة
ولتحديد موقع القوات اللبنانية بين هذين القطبين، من الضروري أن ندرس تاريخها الفكري والممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قامت بها، بعيدًا عن الصورة النمطية التي وُصفت بها على أنها "يمين مسيحي".
منذ عقودٍ، التصق بالقوات اللبنانية وصفُ "اليمين المسيحي"، حتى باتت هذه العبارة لازمةً في الخطاب السياسي والإعلامي. غير أنّ هذا التصنيف، الموروث من زمن الحرب الأهلية، لا يصمد أمام قراءة فكرية دقيقة لمجمل مسار القوات اللبنانية، سواء على مستوى رؤيتها للدولة والمجتمع، أو على مستوى ممارستها السياسية والاقتصادية في ما عُرف بـ«المنطقة المحررة». فالقوات، في جوهرها وتكوينها، أبعد ما تكون عن اليمين العقائدي أو الديني، بل تُمثّل نموذجًا لبنيةٍ سياسيةٍ واقعيةٍ، تعدديةٍ، تحمل في ممارستها أبعادًا يسارية واضحة، وإن أتت من رحم هوية مسيحية لبنانية.
أولاً: من خلوة سيدة البير إلى رفض القومية الأحادية
عند العودة إلى خلوة سيدة البير عام 1976، حيث اجتمعت شخصيات الجبهة اللبنانية تحت رعاية الأباتي شربل قسيس، نكتشف المفارقة الكبرى: ففي وقتٍ اتُّهمت فيه هذه الشخصيات بأنها تسعى إلى “وطن قومي مسيحي”، كانت الحقيقة مغايرة تمامًا. فقد رفض المجتمعون، بوضوح، فكرة الدولة الأحادية أو الانعزال القومي، وسعوا إلى صيغة وطنية تعددية تحفظ التنوع والعيش المشترك. ذلك الرفض المبكر لأي مشروعٍ قوميٍّ طائفيٍّ يُعدّ، بمقاييس الفكر السياسي، موقفًا يساريًّا تقدميًّا يقدّم التعددية على الانغلاق، والانفتاح على الهوية الأحادية.
ثانيًا: الاقتصاد الاجتماعي في «المنطقة الشرقية»
حين تسلّم سمير جعجع قيادة القوات اللبنانية في منتصف الثمانينات، كانت الدولة اللبنانية غائبة أو شبه منهارة. ومع ذلك، سعت القوات إلى بناء نموذجٍ مصغّرٍ عن الدولة في المناطق التي كانت تُعرف بـ«الشرقية». غير أنّ المفارقة اللافتة تكمن في طبيعة السياسات التي اعتمدتها القوات آنذاك: تأمين النقل العام، الطبابة، التضامن الاجتماعي، شبكات المساعدات، دعم التعليم، وفرض الضرائب على المقتدرين لتأمين العدالة الاجتماعية للفقراء. هذه كلها سياسات اشتراكية الجوهر، يسارية المنطلق، تُقدّم العدالة الاجتماعية على مبدأ السوق الحرة.
ثالثًا: الهوية وسيلة لا غاية
القوات اللبنانية لم تتخذ الهوية المسيحية مشروعًا سلطويًا أو عقائديًا، بل جعلت منها وسيلةً دفاعيةً في وجه الفوضى، لا غايةً في ذاتها. فهي لم تسعَ يومًا إلى فرض هويةٍ على الآخر، بل إلى صون حضورها ضمن إطارٍ وطنيٍّ تعدديٍّ. في هذا المعنى، لم تكن الهوية المسيحية عند القوات عقيدة إقصائية، بل رافعة إنسانية لتحرير الفرد والمجتمع من ثنائية القهر والانغلاق.
رابعًا: من الدولة البديلة إلى الدولة الشريكة
حين تحوّلت القوات اللبنانية من تنظيم عسكري إلى حزب سياسي شرعي بعد الحرب، وكتبت نظامها الداخلي، انتقلت من منطق “الدولة البديلة” إلى منطق “الدولة الشريكة”. ومن هنا جاء تبنّيها، في تلك المرحلة، للسياسات الاقتصادية الليبرالية القائمة على حرية المبادرة الفردية، والسوق المفتوحة، ودعم القطاع الخاص، باعتبارها تتشارك مع الآخرين في دولة مركزية متعدّدة الاتجاهات، لا تملك فيها وحدها سلطة القرار الاقتصادي. غير أنّ هذا التحوّل لم يكن انقلابًا على جوهرها الاجتماعي، بل تكيفًا سياسيًا مرحليًا فرضته ظروف الدولة واستعادة مؤسساتها.
خامسًا: حزبٌ لا عقيدة له إلا الإنسان
ليست القوات اللبنانية حزبًا عقائديًا بالمفهوم التقليدي، بل إطارًا تطوّر من تجربة الحرب إلى رؤية وطنية تحرّرية. إنها حزبٌ براغماتي في الوسائل، إنساني في الغايات. فهي لم تبنِ فكرها على النصوص الجامدة أو النظريات الأيديولوجية، بل على الممارسة اليومية في ظروف انهيار الدولة.
سادسًا: بين يمين الصورة ويسار الجوهر
لقد رُسمت صورة القوات اللبنانية كحزب يميني مسيحي لأنها نشأت في بيئة مسيحية محافظة، وخاضت حربًا دفاعية عن الوجود. غير أن الجوهر الفعلي لتجربتها يكشف عن مسارٍ مختلف: فكرٌ تعدديٌّ، انفتاحٌ على الآخر، تضامنٌ اجتماعيٌّ، وميلٌ إلى العدالة والمساواة. كلها عناصر تُصنّفها، لا كحركة يمينية دينية، بل كحركة يسارية إنسانية الهوى، ولبنانية الهوية، تضع الإنسان قبل الطائفة، والمجتمع قبل السوق، والوطن قبل العقيدة.
وبالموازاة، أطرح تساؤلًا آخر: هل تستطيع القوات اللبنانية، عبر تجربتها الفريدة، ومن خلال المنتشرين من مناصريها، أن تقود اليسار العالمي إلى نشأته وجذوره الأصيلة، ذاك اليسار العملي والإنساني الذي تجاوز الانحدار الأوروبي اليوم؟
اذا كان ما اطرحه يبتعد عن طروحات اليوم المستهلكة، وفي صخب الأفكار الفلسفية للمواجهة، ذكر شارل مالك فكرة "جنونية" فحواها أنّ وجود إسرائيل على حدود لبنان قد يكون رسالة من الله للموارنة، لكي يبشّروا اليهود بالمسيحية ويحوّلوهم، فتضمحل إسرائيل من خلالهم….