منذ أسابيع، أصبحت مدينة باكروفسك محور المعركة الأهم في الشرق الأوكراني، حيث تدور على أطرافها مواجهات هي الأعنف منذ سقوط أفدييفكا في الربيع الماضي.
المدينة التي كانت تُعرف سابقاً بهدوئها النسبي وبكونها مركزاً لوجستياً خلفياً، تحولت اليوم إلى الخط الدفاعي الأخير قبل وصول القوات الروسية إلى العمق الصناعي والديموغرافي لغربي الدونباس.
التصعيد الروسي في محيط باكروفسك لم يكن مفاجئاً. فخلال الأشهر القليلة الماضية، نفّذت قوات موسكو سلسلة من الضربات الجوية المركّزة طالت محطات الطاقة، ومستودعات الذخيرة، ومراكز القيادة الأوكرانية، ما أدى إلى انقطاع واسع للكهرباء والمياه عن مناطق عدة في المدينة وضواحيها. بالتوازي، كما دفعت روسيا بعشرات الألاف من وحدات متنوعة اهمها قوات أحمد الشيشانية و"الفرقة 150 المدرعة" المدعومة بالمئات من المسيّرات الانتحارية ونظام الحرب الإلكترونية “كراسوخا” لتعمية الدفاعات الأوكرانية.
و قبل ايام استطاعت مجموعتين من المقاتلين الدخول الى بعض أحياء المدينة والتمركز بداخلها ما سبب انعدام التوازن العسكري ونشوب معارك طاحنة وخرب شوراع.
في المقابل، أدركت القيادة الأوكرانية أن خسارة باكروفسك ستعني انكشاف الجبهة الشرقية بالكامل، وربما انهيار خط الدفاع الممتد نحو كراماتورسك وسلوفيانسك. لذلك.
قبل يومين ترأس الرئيس فولوديمير زيلينسكي اجتماع طارئ في كييف، حضره وزير الدفاع دينيس شميهال وقائد القوات المسلحة أولكسندر سيرسكي، وقادة الوحدات الميدانية العاملة في محور دونيتسك.
وخلال الاجتماع، أصدر زيلينسكي أوامر صارمة تقضي بعدم السماح بسقوط المدينة “تحت أي ظرف كان” وتقديم كل الدعم اللازم لوقف التقدم الروسي، وطلب تعزيزها فوراً بوحدات هجومية من الفرقة 93 المتمركزة سابقاً في خاركيف.
كما تمّ نقل وحدات هندسية من دنيبرو لإقامة خطوط تحصين جديدة على مداخل باكروفسك، بالتوازي مع إعادة تموضع قوات الاحتياط في كراماتورسك لتأمين خط الإمداد الرئيسي الذي ما زال مفتوحاً عبر الطريق السريع T-0504.
ونُقل أيضاً عدد من القادة الميدانيين الذين خاضوا معارك باخموت وأفدييفكا إلى باكروفسك للإشراف مباشرةً على الدفاعات في الميدان.
مصادر ميدانية أكدت أنّ زيلينسكي شدّد خلال الاجتماع على ضرورة التمسّك بكل متر من المدينة، ووجّه رسالة مباشرة إلى الجنود قال فيها:
"باكروفسك هي جدارنا الأخير قبل الغرب، سقوطها يعني فتح الباب أمام الروس نحو كراماتورسك... يجب أن نصمد، مهما كلف الأمر."
وقد بدأت كييف بالفعل تنفيذ خطة دفاعية متعددة الطبقات تعتمد على المسيّرات الانتحارية والهجمات المضادة المحدودة لإبطاء التقدم الروسي، مع دعم ناري من المدفعية بعيدة المدى. ورغم أن الجيش الأوكراني نجح مؤقتاً في صدّ بعض المحاولات الروسية لاختراق الأطراف الجنوبية، إلا أن الوضع الميداني يبقى هشّاً ومتقلباً، وسط تقارير عن استمرار القصف الروسي الكثيف الذي حوّل أحياءً بأكملها إلى أنقاض.
أجرى القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية أوليكساندر سيرسكي اجتماعا مع القادة الميدانيين في غرفة العمليات المشتركة في كراماتورسك لمتابعة التطورات حول الوضع في منطقة كوبيانسك ومدينة بوكروفسك.
وقال سيرسكي "الأوامر الحالية هي تأمين الخدمات اللوجستية، ودعم مجموعات الهجوم لإخراج العدو من المناطق الاساسية. ونعمل على تعزيز القوات بوحدات وأسلحة ومعدات إضافية، بما في ذلك أنظمة غير مأهولة. نزيد الضغط على أطراف دوبروبيل.
وأضاف قائد القوات المسلحة الأوكرانية ان قواته تواصل تحرير الأراضي وتطهيرها، مما يُجبر العدو على تشتيت قواتها ويحول دون تركيز جهوده الرئيسية في منطقة بوكروفسك.
وأفاد سيرسكي بأنه في أطراف منطقة دوبروبيل، قد تم احراز تقدم في بعض المناطق خلال الساعات القليلة الماضية.
وتابع : "تم تحرير 188 كيلومترًا مربعًا خلال العملية، وتطهير 248.7 كيلومترًا مربعًا من مجموعات الدفاع الصاروخي المعادية".
ويُخشى أن تتحول باكروفسك إلى رمز جديد للمقاومة والدمار، على غرار ما حدث في باخموت وأفدييفكا وماريينكا، المدن التي سقطت بعد شهور من القتال العنيف رغم دفاعاتها البطولية.
وتُعدّ باكروفسك مفتاح الجبهة الشرقية في الحرب الأوكرانية، ليس فقط لأنها آخر مدينة كبيرة تفصل القوات الروسية عن كراماتورسك وسلوفيانسك، بل لأنها أيضاً تشكّل عقدة مواصلات حيوية تربط بين محاور دونيتسك ودنيبرو. السيطرة عليها تمنح روسيا القدرة على قطع خطوط الإمداد الأوكرانية القادمة من الغرب، وتفتح الطريق نحو السيطرة على كامل إقليم دونباس، وهو الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه موسكو منذ بداية الحرب.
من الناحية العسكرية، تقع باكروفسك على ارتفاع طوبوغرافي يتيح رؤية ميدانية واسعة للمدفعية، ما يجعلها موقعاً مثالياً للدفاع أو للهجوم. كما تحتوي على شبكة أنفاق وملاجئ قديمة تعود للعهد السوفياتي، تُستخدم حالياً كمراكز قيادة ومخازن سلاح. لذلك، فإن خسارتها لا تمثل مجرد انكشاف جغرافي، بل خسارة عسكرية ومعنوية كبرى قد تُغيّر مسار الحرب في الشرق.
في المقابل، نجاح أوكرانيا في الحفاظ على المدينة سيمنحها نقطة ارتكاز دفاعية قوية، ويمنع الروس من التقدم نحو دنيبرو وزاباروجيا، ما يعني حماية الشريان الصناعي والاقتصادي لأوكرانيا في الضفة الشرقية لنهر الدنيبر.
لهذا، تبدو معركة باكروفسك أكثر من مجرد معركة محلية " إنها معركة مصير ستحدد شكل الجبهة الشرقية للأشهر المقبلة، وربما ترسم معالم المرحلة القادمة من الحرب الأوكرانية الروسية" .