قبل أكثر من ثلاثة عقود، خاض العماد ميشال عون ما سمّاه آنذاك "حرب التحرير" ضدّ الاحتلال السوري للبنان. كانت الحرب تُرفع تحت رايات السيادة والكرامة الوطنية، لكنّ نتائجها جاءت معاكسة تمامًا للأهداف المُعلنة، بسبب عدم أخذ العماد ميشال عون وفريقه موازين القوى الحقيقية في الاعتبار، واعتقادهم الساذج يومها أن مجرّد إعلان الحرب كفيل بإخراج المحتلّ.
أدّت تلك الحرب الارتجالية إلى دمار واسع، وانقسام داخلي حاد، وانهيار ما تبقّى من مؤسسات الدولة. وانتهت تلك الحقبة المأساوية بهزيمة عسكرية مدوّية. وقد أدّت الضغوط الدولية يومها إلى ما اتُّفق على تسميته بـ"اتفاق الطائف"، الذي أنهى الحرب وأعاد توزيع السلطة بين الطوائف اللبنانية، بشكل اعتقد صانعوه أنه الحلّ الأمثل للأزمة اللبنانية.
لكنّ تعنّت العماد ميشال عون آنذاك، وإصراره على مواصلة طريق الانتحار السياسي والعسكري، كرّسا الوصاية السورية الكاملة على لبنان، وأقفلا مرحلة ما سُمّي بـ"المناطق المحرَّرة".
دفع لبنان عامةً، والمسيحيون خاصةً، ثمنًا باهظًا لمغامرات العماد ميشال عون الانتحارية: تهجيرًا، وتدميرًا، وانكفاءً سياسيًا دام لسنوات. ومع ذلك، ما زال بعضهم ينظر إلى تلك التجربة الفاشلة والمدمرة من زاوية عاطفية، متغافلًا عن حقيقتها كأحد أكثر فصول الحرب اللبنانية عبثًا ومأساوية.
اليوم، يتكرّر المشهد وإنْ في ظروف مختلفة. فـ"حزب الله" خاض منذ أكثر من سنة سلسلة مواجهات مع العدوّ الإسرائيلي تحت شعار "إسناد غزة"، لكنّ هذه المغامرات غير المحسوبة أدّت عمليًا إلى كوارث على لبنان عامةً، وعلى الطائفة الشيعية خصوصًا. لقد وضعت البلاد مجدّدًا في بحيرة من النار والدمار، إستنزفت إقتصاده وطاقاته، وعمّقت عزلته الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت التطوّرات الميدانية، بما لا يترك مجالًا للشك، أن ترسانة حزب الله العسكرية لم تكن بالمستوى الذي روّجت له دعايته الإعلامية والتسويق السياسي الذي وضعها في مصافّ "توازن الرعب"، مع عدوّ تبيّن أنه يمتلك تفوّقًا تكنولوجيًا هائلًا، وأنّ "بيته ليس أوهن من بيت العنكبوت" كما أقنعونا. وخلال تلك المواجهات وما تلاها، بقي لبنان يتحمّل وحده كلفة المغامرة الانتحارية، من انهيار اقتصادي إلى تهجير للسكان، وعدد مخيف من الضحايا والدمار، قلّ أن شهد لبنان مثله منذ نهاية الحرب. وقد زاد ذلك من مستوى القلق على مستقبل الدولة نفسها.
وكما قادت مغامرات العماد ميشال عون إلى اتفاق الطائف ثم إلى الوصاية السورية المباشرة، يبدو أنّ مغامرات حزب الله التي أوصلت الجنوب اللبناني إلى حالة من الرقابة الإسرائيلية المباشرة — تقتل من تشاء، وتمنع إعمار القرى المهدّمة، وتسمح أو تمنع حتى قطف المحاصيل الزراعية — قد تدفع لبنان، إذا استمرّ الشيخ نعيم قاسم في عنترياته الفارغة وتعنّته، نحو اتفاق من نوع آخر مع العدوّ، من منطلق: "مُجبرٌ أخاك لا بطل."
الضغوط الدولية اليوم تشبه، في شدّتها وتنوّعها، ما كان عليه الوضع عام 1990، إذ تسعى القوى الكبرى إلى بلورة تسوية أمنية أو سياسية تُنهي حالة السلاح الخارج عن سلطة الدولة، وتعيد رسم التوازنات في لبنان وفق معادلات إقليمية جديدة أفرزتها الهزائم العسكرية.
الفرق أنّ اتفاق الطائف جاء بعد حرب شنّها مسؤول مهووس بالسلطة، أمّا الاتفاق المرتقب، إن حصل، فقد يأتي بعد حروب بالوكالة خاضها حزب الله لحساب إيران، وانتهت بهزيمة له وللبنان على حدّ سواء.
الولايات المتحدة، وأوروبا، ودول الخليج، وحتى طهران نفسها، باتت تدرك أنّ لا استقرار في لبنان من دون إنهاء الحالة الشاذّة التي يمثّلها حزب الله. وإذا كان اتفاق الطائف قد أنهى حروب رجل مدفوع بطموح شخصي إلى السلطة، فإنّ الاتفاق المقبل، إن تبلور، قد يشكّل بداية مسارٍ لإنهاء أحلام الخامنئي بالوصول إلى المتوسط.
لكنّ المخاوف تبقى قائمة من أن يُفرَّغ أي اتفاق مرتقب من مضمونه، كما حدث بعد الطائف، حين تحوّل السلام الداخلي إلى غطاءٍ لوصاية جديدة. فتهوّر عون في التسعينيات فتح الباب أمام الهيمنة السورية، وتهوّر حزب الله اليوم قد يفتح الباب أمام اجتياح إسرائيلي أشدّ قسوة من الهمجية السورية.
في الحالتين، يعيد التاريخ نفسه: كلّما أقدم طرف لبناني على مغامرة غير مدروسة، مدفوعًا بأوهام شخصية أو جماعية، انتهى إلى طاولة مفاوضات تُعيد ترتيب التوازنات على أنقاض الخسائر.
يبقى السؤال: هل يحتاج لبنان إلى كارثةٍ أخرى كي يدرك أنّ لا خلاص له إلا بتسوية وطنية تُعيد السلاح إلى الدولة، والدولة إلى شعبها؟