الياس دمّر

بين رُعب المؤامرة وسُخرية الوعي

فيلم "Bugonia" يلسع المُشاهد كلدغة نحلٍ من المستقبل

7 دقائق للقراءة

يعود المُخرج اليوناني الفذ Yorgos Lanthimos بفيلمٍ جديد يحمل عنوانًا غريبًا "Bugonia"، ليُضيف حلقة أخرى إلى مشروعه الفنيّ الذي لا يكفّ عن مساءلة الإنسان حول علاقته بالعالم، السُّلطة، الجسد والحقيقة. فَبعد النجاحات النقديّة الواسعة لأفلامه السّابقة مثل: "The Favourite" و "Poor Things"، يُغامر لانثيموس هذه المرَّة بإعادة إنتاج للفيلم الكوري - الجنوبي الشهير "!Save the Green Planet" الصادر عام 2003، لكن بصيغةٍ مُعاصرة تستكشف جنون نظريّات المؤامرة وقلق البيئة والتكنولوجيا.

ينطلق "Bugonia" من حكايةٍ تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الرُّعب النفسي من الكوميديا السّوداء. يتتبّع المُخرج شخصية "Teddy" (يُجسّدها Jesse Plemons)، مُربّي نحل مُنطوٍ ومهووس بنظريّات المؤامرة، يقتنع بأن إحدى رائدات شركات الأدوية العملاقة "Michelle Fuller" (بدَورها Emma Stone)، ليست سوى كائنٍ فضائيّ مُتخفٍ يسعى إلى تدمير البشريّة. يختطفها في قبو منزله الرّيفي مُحاولًا استخراج الحقيقة منها، ومع تصاعد الأحداث يتداخل الجنون بالمنطق والخيال بالواقع، حتى يغدو المُشاهد غير مُتيقن من الضحيّة فعلًا، ومن يُمارس السّيطرة على من! هذه البُنية السرديّة البسيطة تتحول في يد لانثيموس إلى مُختبرٍ فلسفيّ للبحث في قضايا مُعقّدة: حدود الإيمان بالعلم، هشاشة الحقيقة في زمن الإعلام الخادع، التفاوت الطبقيّ بين أصحاب القرار والجماهير، والعلاقة المُعقَّدة بين الإنسان والطّبيعة التي تتدهور من حوله.


الواقع مريض والعلاج جنون

على الرغم من أنّ "Bugonia" هو أكثر أفلام لانثيموس انفتاحًا على الجمهور، فإنه لا يتخلّى عن خصوصيّته البصريّة والفكريّة. يستخدم المُخرج كاميرا واسعة العدسة وأسلوب تصوير يُبرز التناقض بين الفضاء الضيّق داخل القبو الذي تُحتجز فيه الضحيّة، والامتداد الواسع للطّبيعة المُحيطة التي تبدو صامتة ولا مُبالية.

الإضاءة الباهتة والظلال الثقيلة تُكرّس الشعور بالاختناق، فيما تأتي الألوان مُحايدة، أقرب إلى رمادٍ باردٍ يُذكّر بأن هذا العالم فقد دفء الحياة. أمّا الموسيقى التصويريّة، بتوقيع البريطاني Jerskin Fendrix، فتُوظف كمُكوّن دراميّ أساسيّ، لا كمُرافقة خارجيّة. هي موسيقى تُلغي الإيقاع المريح، وتزرع بدلًا منه قلقًا وجوديًّا يتسلّل إلى المُشاهد شيئًا فشيئًا، كما لو كان جزءًا من تذبذب الحالة النفسيّة لشخصيّة "Teddy" نفسه.

ويُشكّل الثنائي إيما ستون وجيسي بليمونز محور الفيلم ومصدر قوّته العاطفيّة، حيث تُقدّم ستون تحديدًا أداءً بالغ الدقة، يجمع بين الصّلابة الخارجيّة والهلع الداخلي. في كل نظرةٍ أو انفعالٍ منها نلمس وعيًا بالطّبقة الرمزيّة للشخصيّة. امرأة تُختزل إلى رمزٍ للرأسماليّة، لكنها في الوقت عينه إنسان يحاول النجاة من عبث الجنون. أمّا بليمونز فيبني شخصيّته على خيطٍ رفيع بين المأساة والهزل، إذ لا يُمكن للمُشاهد أن يكرهه بالكامل أو يتعاطف معه تمامًا. هو تجسيدٌ لضحايا العزلة الحديثة الذين يبتلعهم عالم الشاشات والمعلومات المُضلّلة حتى يفقدوا البوصلة الأخلاقيّة والعقليّة.

هذا التوازن بين المُمثلَين هو ما يمنح الفيلم توتره الدّاخلي. فالمواجهة بينهما ليست مواجهة جسديّة فحسب، بل هي حوار فلسفي عن معنى الحقيقة والخلاص، وعن حدود الإيمان عندما يتحول إلى جنونٍ مُدمِّرٍ.


نشيد أخير للنحل

في الميثولوجيا القديمة، تُشير كلمة "Bugonia" إلى طقس أسطوريّ، يُعتقد فيه أن النحل يُولد من جثة ثور ميت، أي أن الحياة تنبثق بعد الموت. يوظف لانثيموس هذه الفكرة ليقول إن الحضارة الحديثة، المُلوّثة والمأزومة، رُبَّما تولِّد من داخل فسادها بذور حياةٍ جديدةٍ أو رُبَّما تدفن نفسها تحت ركام جنونها.

النحل، في رمزيّة الفيلم، استعارة للانسجام الطّبيعي المفقود. "Teddy"، مُربّي النحل، يرى في الحشرات الصّغيرة نموذجًا للمجتمع المثالي الذي دمّرته الشركات الكبرى والأنانيّة البشريّة. من هنا يُصبح اختطافه لشخصيّة ميشيل محاولة يائسة لإعادة التوازن إلى الكون، وإن كانت تنبع من منطقٍ مُختلّ.

كما يطرح الفيلم نقدًا لاذعًا لمنظومة الرأسمالية المُعولمة التي تبتلع كل شيء باسم التقدُّم. اختطاف رئيسة شركة أدوية يرمز إلى تمرُّد الفرد المُهمَّش على سلطة الشركات، لكنه تمرّد عشوائي وغير عقلاني، يعكس مأزق الإنسان المُعاصر الذي يعرف أنه ضحيّة النظام، لكنه عاجز عن تغييره.

يميل الفيلم إلى الإيقاع البطيء المدروس، حيث يعتمد لانثيموس على تصاعد التوتر النفسي لا على الانفجارات السرديّة. هذا الخيار يمنحه عمقًا دراميًّا، لكنه قد يربك بعض المشاهدين الذين ينتظرون حبكة أكثر مباشرة. في منتصف الفيلم، يتراجع الزخم قليلًا حين يحاول السّيناريو توضيح خلفيّات الشخصيّتين، إلا أن الثلث الأخير يستعيد قوّته بفضل تصعيد المواجهة الفكريّة بين الخاطف والمخطوفة.

أما النهاية، دون كشف تفاصيلها، فتترك الباب مفتوحًا على تأويلات متعدّدة. قد يجدها البعض مأسويّة، وقد يقرأها آخرون كتأكيد على استحالة الفصل بين الحقيقة والوهم في عالمٍ يعجّ بالمعلومات المُضلّلة. وفي كل الأحوال، تبقى وفية لروحيّة أفلام لانثيموس التي تُفضّل السّؤال على الإجابة، والشكّ على اليقين.


إعادة تعريف الإنسانيّة 

من الضروري الاشارة إلى أنَّ فيلم "Bugonia" ليس نسخة حرفيّة من الأصل الكوري، بل معالجة جديدة للموضوع ذاته. وفي حين اتسم فيلم "!Save the Green Planet" بطابع فوضويّ وجنون بصريّ واضح، اختار لانثيموس أن يمنح نسخته طبقة تأملية أكثر رصانة، مع التركيز على البُعد النفسي والبيئي. وبهذا، يُقدّم عملًا يحمل بصمته الخاصة دون أن يُلغي إرث الفيلم الأصلي. ما يفعله لانثيموس هنا يتجاوز إعادة إنتاج قصَّة عن مؤامرة، فهو يواصل مشروعه في تفكيك صورة الإنسان المُعاصر الذي يعيش بين هوس التقدُّم وخوف الانقراض. شخصيّاته دومًا تبحث عن معنى لها في عالمٍ فقد المعنى، وعن حقيقة في زمن أصبحت فيه كلّ الحقائق نسبيّة.

في "Bugonia" لا فرق بين الكائن الفضائي والمواطن البشريّ، كلاهما غريب، معزول ومُحاصر بأوهامه. هذه الرّؤية تجعل الفيلم، رغم غرابته، مرآة دقيقة لعصرنا الرقمي، حيث تختلط الحقائق بالخيالات، وتتحوّل نظريّات المؤامرة إلى عقائد جديدة.


البيئة كابوس والإنسان جلّاد نفسه

في نهاية المُشاهدة، يُمكننا الجزم بأن "Bugonia" هو واحدٌ من أكثر أفلام السّنة إثارة للنقاش. ليس فيلمًا سهلًا أو مريحًا، بل تجربة فكرية فلسفيّة تتحدّى المُتفرّج وتدعوه إلى المُشاركة في بناء معناها. يُحسب للانثيموس أنه استطاع أن يُوازن بين السّخرية والدراما، بين الفانتازيا والواقعيّة، دون أن يفقد صوته الخاص. كما أن الأداء المُتقن للثنائي ستون - بليمونز يجعل من هذا العمل درسًا في كيفيّة تحويل الجنون إلى مادّة للتأمّل الإنساني.

قد يخرج المُشاهد من الفيلم مُتحيّرًا، لكنه حتمًا لن يخرج غير متأثر. فالفيلم، بجرأته البصريّة والفكريّة، يُذكّرنا بأنَّ السّينما لا تزال قادرة على مُساءلة العالم لا على تسليته فقط. ولعلّ هذا تحديدًا ما يجعل "Bugonia" أكثر من مُجرَّد فيلمٍ عن مؤامرة... إنهُ فيلمٌ عن الإنسان نفسه، حين يُصبح ضحيّة محاولاته لإنقاذ العالم، فيُدمِّره ويُدمِّر نفسه معه.

بين النحل والكواكب البعيدة، حطَّ الفيلم ولا يزال في صالات السّينما اللّبنانيّة.