ودّعت الولايات المتحدة أقوى نائب رئيس أميركي في العصر الحديث والمهندس الرئيسي لـ "الحرب على الإرهاب" وأحد أبرز رموز "المحافظين الجدد"، وهو نائب الرئيس الـ 46 لبلاد "العم سام" خلال ولايتي الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن، ديك تشيني، الذي أعلنت عائلته أمس أنه توفي الإثنين عن 84 عامًا، متأثرًا بمضاعفات الالتهاب الرئوي وأمراض القلب والأوعية الدموية. وكان تشيني لعقود شخصية نافذة ومثيرة للجدل في أروقة السلطة في واشنطن، إلّا أنه في سنواته الأخيرة، ورغم بقائه محافظًا، وجد نفسه إلى حد كبير منبوذًا من الحزب الجمهوري بسبب انتقاده الشديد للرئيس دونالد ترامب، الذي وصفه تشيني بأنه "جبان" وأعظم تهديد على الإطلاق للجمهورية. وأشاد بوش الإبن أمس بنائبه الراحل، واصفًا إيّاه بأنه "وطنيّ جلب النزاهة والذكاء العالي والجدّية في الأداء إلى كلّ منصب تولّاه"، وأوضح أن تشيني "كان حضورًا هادئًا وثابتًا في البيت الأبيض وسط تحدّيات وطنية جسيمة، كنت أعتمد عليه لآرائه الصادقة والمباشرة، ولم يخفق يومًا في بذل أفضل ما لديه، تمسّك بقناعاته وجعل من حرّية وأمن الشعب الأميركي أولويته القصوى".
بدأ تشيني صقل مهاراته داخل السلطة، التي أصبح لاحقًا أحد أمهر لاعبيها، عندما عمل مساعدًا للرئيس ريتشارد نيكسون. لاحقًا، اختاره دونالد رامسفيلد نائبًا لرئيس موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس جيرالد فورد، ثمّ خلف تشيني معلّمه وصديقه المقرّب في المنصب عام 1975 عندما غادر رامسفيلد لتولّي حقيبة وزارة الدفاع. وكان لتشيني دور محوري في إحياء شراكتهما السياسية عام 2001، حين استدعى رامسفيلد من عزلته السياسية ليعود إلى البنتاغون. وفي عهد الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، قرّر تشيني الترشح للكونغرس وفاز بمقعد ولاية وايومينغ الوحيد في مجلس النواب عام 1978. وخدم تشيني ست ولايات متتالية، صعد خلالها إلى منصب زعيم الأقلية الجمهورية، وسجّل سجلًا تصويتيًا محافظًا للغاية.
عيّن الرئيس جورج بوش الأب، تشيني، وزيرًا للدفاع عام 1989، بعدما خدم معه في إدارة فورد، واصفًا إيّاه بأنه "صديق ومستشار موثوق". وأظهر تشيني براعة كبيرة في إدارة الغزو الأميركي لبنما عام 1989، ثمّ عملية "عاصفة الصحراء" عام 1991 لإخراج القوات العراقية من الكويت. وخلال رئاسة الديمقراطي بيل كلينتون، انضمّ تشيني إلى شركة خدمات النفط "هاليبرتون"، حيث شغل منصب الرئيس التنفيذي بين عامي 1995 و2000. ولم يعد إلى المشهد السياسي إلّا عندما قرّر بوش الإبن خوض الانتخابات، فاختاره لقيادة عملية البحث عن نائب له، لكن في نهاية المطاف وجد بوش الإبن أن تشيني نفسه هو المرشح الأنسب للمنصب. وعند عودته إلى الساحة السياسية، حصل تشيني على مكافأة تقاعد بقيمة 35 مليون دولار من "هاليبرتون". وأصبحت الشركة لاحقًا متعاقدًا رئيسيًا خلال حرب العراق، ما أثار انتقادات متكرّرة في شأن علاقات تشيني بصناعة النفط.
وجلب تشيني معه خبرة ومعرفة عميقتين في المجالات التي كان يُنتقد بوش الإبن بسبب ضعف خبرته فيها. ودفع تشيني بأن يكون الرئيس قادرًا على العمل بلا قيود كثيرة من المشرّعين والسلطة القضائية، خصوصًا في وقت الحرب. وكان تشيني في البيت الأبيض صباح 11 أيلول عام 2001، حينما تعرّضت أميركا لهجمات إرهابية غير مسبوقة. وفي اللحظة المرعبة التي اصطدمت فيها الطائرة الثانية بأحد برجَي مركز التجارة العالمي في نيويورك، قال تشيني إنه شعر بأنه أصبح شخصًا مختلفًا، عازمًا على الانتقام من الهجمات التي دبّرها تنظيم "القاعدة" الإرهابي، وعلى فرض القوة الأميركية في الشرق الأوسط وفق عقيدة "المحافظين الجدد" المرتكزة على تغيير الأنظمة والحروب الاستباقية.
لعبت التحذيرات التي أطلقها تشيني مِمّا زُعم أنه برنامج أسلحة دمار شامل في العراق، وروابط نظام البعث المزعومة مع تنظيم "القاعدة"، ونية بغداد تزويد الإرهابيين بأسلحة فتاكة لمهاجمة أميركا، دورًا كبيرًا في تمهيد الطريق لغزو العراق عام 2003، لكن تقارير الكونغرس والتحقيقات اللاحقة بعد الحرب أظهرت أن تشيني ومسؤولين آخرين في الإدارة ضخموا أو شوّهوا أو عرضوا بشكل غير دقيق معلومات استخباراتية معيبة حول برنامج أسلحة الدمار الشامل، التي تبيّن لاحقًا أن العراق لم يكن يمتلكها أصلًا، إلّا أن تشيني أصرّ في عام 2005 على أنه، هو ومسؤولون كبار آخرون، كانوا يتصرّفون وفقًا لما اعتبروه في حينه "أفضل المعلومات الاستخباراتية المتاحة". ورغم اعترافه لاحقًا بأن عيوب تلك المعلومات أصبحت واضحة بعد فوات الأوان، فقد شدّد على أن أي ادعاء بأن البيانات كانت "محرّفة أو مبالغًا فيها أو ملفقة" هو "زيف مطلق".
واصطدم تشيني مع عدد من كبار مساعدي بوش الإبن، بمَن فيهم وزيرا الخارجية كولن باول وكوندوليزا رايس، ودافع عن أساليب الاستجواب "المُعززة" للمشتبه فيهم في قضايا الإرهاب، والتي شملت الإيهام بالغرق والحرمان من النوم. ووصفت جهات عدة هذه الأساليب بأنها "تعذيب". كما كان أيضًا من أبرز المدافعين عن احتجاز المشتبهين بالإرهاب في خليج غوانتانامو من دون محاكمة. وحتى نهاية حياته، لم يُبدِ تشيني أي ندم، مؤكدًا أنه فعل فقط ما كان ضروريًا للردّ على هجمات 11 أيلول الإرهابية. مع ذلك، التحليلات التي تفيد بأن تشيني كان القوة الدافعة الوحيدة وراء "الحرب على الإرهاب" والتدخلات الأميركية في العراق وأفغانستان، تُعتبر مضلّلة، إذ تظهر المصادر المعاصرة والتاريخية عن تلك الحقبة أن بوش الإبن كان، كما وصف نفسه، "صاحب القرار".
وفي سنواته الأخيرة، برز تشيني كأحد أشدّ منتقدي ترامب، رغم أنه كان قد دعم ترامب عام 2016، لكن رفض ترامب الاعتراف بهزيمته في انتخابات 2020 وما تبعها من اقتحام الكابيتول من قِبل مناصريه في السادس من كانون الثاني عام 2021، دفع تشيني إلى كسر صمته علنًا، في الوقت عينه، ضحّت ابنته النائبة السابقة ليز تشيني بمقعدها النيابي ومستقبلها السياسي الواعد داخل الحزب الجمهوري بسبب معارضتها ترامب بعد اقتحام الكابيتول. وأعلن تشيني أنه سيصوّت للمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية للعام 2024.
على الصعيد الشخصي، عانى تشيني من مشكلات صحية معظم حياته، إذ بدأت مشكلاته عام 1978 عندما أصيب بأوّل نوبة قلبية وهو في الـ 37 من عمره أثناء ترشحه للكونغرس، وتبع ذلك ثلاث نوبات أخرى في أعوام 1984 و1988 و2000. وبعد عام من إصابته بالنوبة القلبية الخامسة عام 2010، حصل على مضخة قلب أبقت عضلته تعمل حتى أجرى عملية زراعة قلب عام 2012. وفي واحدة من أكثر اللحظات شهرة في حياته الشخصية، أطلق تشيني عام 2006 النار بالخطأ على أحد شركائه في الصيد فأصابه في وجهه، ما تسبّب له بجروح طفيفة نسبيًا.