جاد الاخوي

من يهدّد ميشال كبريال المر؟ وكيف تحوّل الإعلام في لبنان إلى منطقة خطر؟

3 دقائق للقراءة

في لبنان، لم يعد السلاح وحده يُطلق النار. الكلمة أيضاً تحت النار. ومن يراقب المشهد الإعلامي خلال الأشهر الأخيرة يدرك أن حملة الاستهداف ضد رئيس مجلس إدارة MTV وناشر صحيفة «نداء الوطن» ميشال كبريال المرّ، ليست "سجالاً سياسيّاً"، بل عملية ضغط منظّمة تُعيد إلى الذاكرة كل التجارب السوداء التي دفع فيها الإعلاميون أرواحهم لأنهم قالوا الحقيقة.

أولاً: لماذا ميشال المر؟

لأن المؤسستين اللتين يقودهما MTV و«نداء الوطن» هما اليوم الأكثر جرأة في:

• كشف ملفات الفساد

• تحدّي سطوة السلاح

• نقد دور حزب الله في الداخل والخارج

• إعطاء صوت للمعارضة والرأي الحر

هذه ليست تحليلات. هذه وقائع بالأرقام:

• خلال السنوات الثلاث الماضية، كانت MTV القناة الأكثر بثًا لبرامج سياسية معارضة للسلاح (أكثر من 980 ساعة هواء سياسية مباشرة بحسب مراقبين مستقلين في نقابة الإعلام).

• «نداء الوطن» نشرت أكثر من 430 مقالاً وتحقيقًا ينتقد الأداء الأمني والسياسي للحزب وحلفائه.

• ما بين 2020 و2024، صدر عن مؤسسات إعلامية وصحافيين مرتبطين بمحور الممانعة أكثر من 120 مادة اتهامية ضد MTV و"نداء الوطن"، معظمها يتضمّن تخوينًا وتحريضًا.

عندما يرتفع هذا الرقم بهذه الطريقة، يصبح الحديث عن «رأي سياسي» مزحة ثقيلة. هذا ترهيب منهجي.

ثانياً: التخوين في لبنان ليس مجرّد شتيمة… بل تهديد حياة

في بلد مثل لبنان، التخوين ليس لفظاً سياسياً، بل مقدّمة اغتيال.

الأرقام لا تكذب:

• منذ 2005، قُتِل صحافيون وإعلاميون بعد حملات تخوين أو تحريض.

• لبنان، بحسب تصنيف حرية الصحافة العالمي لعام 2024 (Reporters Without Borders)، تراجع إلى المرتبة 148 من أصل 180 دولة—أسوأ نتيجة في تاريخه.

• أكثر من 70 صحافيًا تعرضوا لهجمات جسدية أو تهديدات مباشرة خلال العقد الأخير.

• 55% من الصحافيين اللبنانيين قالوا إنهم يخشون التعبير عن آرائهم السياسية (إحصاء مؤسسة "سمير قصير" و"إسكوا").

هذه ليست دولة حريات. هذه دولة من يقول "لا" يضع حياته على الطاولة.

ثالثاً: لماذا الآن؟

الجواب واضح بالأرقام:

• الحرب على الحدود الجنوبية دخلت شهرها السابع.

• الاقتصاد ينهار: الليرة فقدت أكثر من 98% من قيمتها.

• ثقة المجتمع الدولي تراجعت إلى أدنى مستوى، ولبنان مُراقب سياسياً ومالياً.

في هذا الجو، أي صوت يكشف الكلفة البشرية والسياسية للحرب يصبح “عدواً”، وأي وسيلة إعلام تُخبر الناس الحقيقة تُصنّف “خيانة”.

لهذا، حين تتصاعد الحملة على ميشال المر، فهي ليست انفجار غضب عابر. إنها محاولة إسكات آخر منصتين لا يزالان يصفان الأشياء بأسمائها.

رابعاً: ما خطورة ما يحدث اليوم؟

لأن القضية لم تعد:

• "ميشال المر مهدَّد"

بل:

• وسيلتان إعلاميتان مهددتان

• حرية الانتقاد مهددة

• الرأي العام مهدد

• لبنان نفسه مهدد بأن يصبح نسخة من دول أسقطت فيها الصحافة قبل سقوط الدولة

الصحافة ليست تفصيلاً. هي حائط الصد الأخير قبل الانهيار الكامل.

وعندما يشتم إعلامٌ حزبًا، فهذا رأي.

وعندما يهدّد حزبٌ إعلامًا، هذه رسالة رصاص بدون رصاص.

إذا استطاع التخوين إسكات MTV و«نداء الوطن»، فلن يجرؤ أحد بعد اليوم على قول كلمة.

وإذا سقط آخر إعلام حر… لن يبقى من يشهد على سقوط لبنان.