لبنان، أرض الجمال والحبّ، تحول اليوم إلى أرض اليأس والمقابر. يعلو الضجيج على الحدود الجنوبية، وتتصاعد لغة التهديد من تل أبيب، يواكبها أزيز الطائرات والمسيَّرات في سماء لبنان، فيما ينتظر العدو لحظته المناسبة لتدمير ما تبقى من وطن مُشرَّع الحدود ،مُمزَّق الانتماء ومشلع الهوية. في المقابل، يتحصّن الشيخ نعيم قاسم في نفق الخطاب «المقدّس»، معلنًا أنّه تعافى جهادياً وأن المواجهة قَدَرٌ لا خيار، بينما يجند حزب الله أذرعه الإعلامية وذبابه الإلكتروني لتخوين كلّ صوتٍ يعارضه. أما الحكومة فما تزال تعيش على مجد ترحيبها بخطة الجيش من دون أي متابعة حَثيثة لمجريات العمل، بينما الدول الكبرى غسلت يديها من دم هذا الوطن الصغير، واكتفت بدور المتفرّج على انهيار «وطن الرسالة» الذي أصبح مجرّد صدى لتاريخه الطويل.
الدولة اللبنانية تؤدي دور الزوج المخدوع: آخر من يعلم، وأول من يدفع ثمن الأخطاء المدمرة. اقتصاد لبنان ينهار في صمتٍ ثقيل، الليرة تتآكل، والوعود بإصلاح الإدارة والقضاء والقطاع المصرفي أو ضبط السلاح لا تتعدى الحبر على الورق. كأن المشهد اللبناني مرآة مُشَقَّقة: سلطةٌ تتهرّب من القرار، و"حزبٌ" يكابر لتكذيب واقعه المأزوم، وشعبٌ يتأرجح بين الخوف والاعتياد، بين انتظار معجزة ربانية للخلاص أو الاستسلام القَدَري للألم.
منذ عقود، كانت أرض لبنان ساحة تجاربٍ لكلّ النظريات الثورية في الشرق الأوسط. في أواخر الستينيات، علت الحناجر تطالب بدعم «الكفاح الفلسطيني»، فتحوّلت باريس الشرق إلى ركامٍ ورمادٍ دُفنت تحتهما أحلام منظمة التحرير، ثم وُوريت فوقها طموحات صدام حسين ومعمّر القذافي وحافظ الأسد.
واليوم، يبدو أنّ «قورش المجوسي» لم يَعُد يشفع لإيران الخامنئي، وأنّ الخمينية، التي بنت مجدها منذ قيام الجمهورية الإسلامية على التفاهمات الخفية مع واشنطن وتل أبيب لتدمير العراق، واستغلال أزمات الشرق لبناء «قلعة حزب الله» في بيروت، بدأت تكتشف أنّ ذراعها القوي لم يَعُد سوى عبءٍ عليها، وأنّ شعار «المقاومة» لم يعد درعًا يحمي النظام الإيراني،لأنه بات غير قادر على تغطية ركام السياسة ورماد الأوهام.
وفي الوقت الذي تصدح أصوات الحرب من الجنوب، تتحرّك حرب مالية ناعمة بين الظلال، تشدّ الخناق على ما تبقى من اقتصاد لبنان. زيارة وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، جون هيرلي، ليست تقنية، بل سياسية بامتياز. الزيارة تؤكّد أن الخيار ما زال بيد لبنان وسلطته السياسية، واليد التي تُمدّ إلى لبنان لتحمل طوق نجاة، قد تتحول إلى حبل مشدود حول عنقه إذا استمرت سياسة الوعود والخطابات التي لا تُتَرجَم إلى أعمال وأفعال. إنها حربٌ بلا مدافع، تُدار بالمال والعقوبات والديبلوماسية الخشنة، هدفها أن تفهم أركان السلطة اللبنانية أن الفعل هو المطلوب.
في واشنطن، لم تعد السياسة تقوم على وضوح المواقف بل على ضبابيتها المدروسة. الموفد الأميركي توم براك وصف لبنان بأنه «دولة فاشلة» يهيمن عليها حزب الله، فيما غادرت مورغان أورتاغوس بيروت تاركة مهلة لا تتجاوز شهرين لحسم ملف السلاح. وبينما تتقاذف التصريحات، تحلّق المسيّرات الإسرائيلية فوق قصر بعبدا والسراي الحكومي كرسائل واضحة: «نحن هنا». ليكتمل المشهد مع تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس: «حزب الله يلعب بالنار».
كلّ شيء يوحي بأنّ ساعة الجحيم تقترب. وفي الكواليس تُرسم خرائط النار المقبلة. الأميركيون الذين يعلنون أنهم لا يريدون حربًا، يبدون وكأنهم ينسّقون شروطها بصمتٍ متواطئ. وهكذا، يبقى لبنان معلقًا بين المجهول والتهديد، بين صبرٍ لا يجدي نفعاً وانتظارٍ متعب بلا نهاية.
في هذه اللحظة الدقيقة، يعيش اللبنانيون حالةً قدرية خانقة: ينتظرون الانفجار كما ينتظرون الخلاص، من دون أن يفعلوا شيئًا بينهما لإنقاذ بلدهم.
السلطة تمارس طقوس الإنكار، والممانعة تتعامل مع الخطر كأنه موسم سياسي، سمير جعجع يرفع الصوت محذرا من جنون العواصف القادمة ولكن لا أحد يسمع ، جبران باسيل يركز على محاربة اشباح ثورة 17 تشرين 2019، وليد جنبلاط يلتزم الصمت ، نبيه بري عقله يدله على الطريق وقلبه يخشى ثورة الشيعة المعبئين باوهام النصر والشعب العادي يهرب إلى يومياته الصغيرة، كمن يخبّئ رأسه في الرمال ليتفادى رؤية الحقيقة.
الاقتصاد يواصل انحداره، والمصارف تواصل نهبها ببرودةٍ لافتة ما تبقى من أموال المودعين، والسياسيون يختبئون وراء نظريات المؤامرة كستارٍ أخيرٍ لعجزهم.
لم يعد لبنان مقبرةً لأوهام الخارج فقط، بل صار مقبرةً لأحلام أبنائه:
أحلام حزب الله التي اختزلت الوطن في البندقية، وأحلام الدولة التي سلّمت قرار الحرب إلى ميليشيا، وأحلام الشعب الذي صدّق أن الصبر وحده يصنع المعجزات.
تغيّرت التحالفات وسقطت الأقنعة. وبات الوطن مجرّد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين إسرائيل وطهران.
وهكذا، لا ينتهي المشهد اللبناني بانفجارٍ كبير، بل بتفحّمٍ بطيء،كشمعةٍ تُذيبها العزلة والانتظار، في دولة تشيّع نفسها بصمت.